كنت أتأمّل عبارة منسوبة إلى شمس التبريزي تقول:

«تعلّق الفاني بالفاني يُفنيه، وتعلّق الفاني بالباقي يُبقيه».

توقّفت عندها طويلًا، ليس لأنها جديدة عليّ، بل لأن فيها بساطة خادعة تُخفي عمقًا كبيرًا.

ما لفتني تحديدًا ليس الشطر الأول — فهو يكاد يكون بديهيًا — بل الشطر الثاني. شعرت أن «يُبقيه» تُنهي الفكرة عند حدّ النجاة فقط، وكأن الغاية أن ننجو من الفناء، لا أكثر.

من هنا، وجدت نفسي أميل إلى تعديل بسيط في اللفظ، لكنه عميق في الأثر:

«تعلّق الفاني بالباقي يُغنيه».

هذا التعديل لم يأتِ رغبة في المخالفة، بل محاولة لفهمٍ أوسع.

فالبقاء، في نظري، ليس كافيًا بحدّ ذاته. أن تبقى لا يعني بالضرورة أنك امتلأت، ولا يعني أنك تجاوزت الحاجة. قد يبقى الإنسان، لكنه يظلّ معلّقًا، قلقًا، ناقصًا.

أما الغِنى، فهو حالة مختلفة تمامًا.

الغِنى ليس امتلاك الأشياء، بل الاستغناء عنها. هو أن تصل إلى درجة لا تعود فيها محتاجًا لما كان يُقيّدك. وهنا يصبح التعلّق بالباقي ليس وسيلة للنجاة فقط، بل طريقًا للاكتمال.

لهذا أرى أن الفرق بين «يُبقيه» و«يُغنيه» ليس لغويًا فحسب، بل وجودي:

الأولى تُعالج مصير الإنسان،

أما الثانية فتُعالج حالته.

أن تبقى، هذه بداية.

أما أن تغتني، فهذه غاية.

وربما هنا تكمن الفكرة التي استقرّت عندي:

ليس السؤال الحقيقي كيف ننجو من الفناء،

بل كيف نخرج من هذه الحياة ونحن أقلّ احتياجًا، وأكثر اكتمالًا.