أشكر صديقي طلال .. لأن مساهمته عن الرؤية والتكرار أيقظت في ذاكرتي قصة قديمة .. قصة لم أفهمها تمامًا حين قرأتها أول مرة .. لكنني اليوم أراها بوضوح مختلف.

توجد في منطقتنا بقالة لافتتها مكتوب عليها ـ بالخطأ ـ «تنمويات العائلة» بدل «تموينات العائلة». الخطأ بسيط .. ولكن المدهش كان فينا نحن .. 

فكلما سألتُ شخصًا يعرفني أن يقرأ ما كُتب .. قرأ بلا تردد: «تموينات العائلة». لا أحد رأى الكلمة كما هي. الجميع قرأها كما يتوقعها.

في تلك اللحظة أدركتُ شيئًا مزعجًا:

نحن لا نشاهد الواقع كما هو .. نحن نستدعيه من الذاكرة.

العين تمرّ .. لكن العقل يُكمِل المشهد من نسخة محفوظة سلفًا .. وهكذا نمضي في حياتنا: لا نرى ما يحدث الآن .. بل نعيش على تسجيل قديم يعاد تشغيله بلا وعي.

في هذا السياق .. تذكرتُ قصة قرأتها قديمًا لضابط بحري نُشرت في Reader’s Digest .. حادثة عابرة .. لكنها أعادت إليه العالم كله .. بحثت عن القصة ولم أجدها ولكن سأرويها من الذاكرة .. 

كان خارجًا من منزله حين اصطدم بعلب ألوان تركها ابنه مفتوحة .. فانسكبت على أرضية بيضاء. غضب في البداية .. ثم جلس لينظف المكان .. لكنه ما إن بدأ المسح .. حتى لاحظ أن الألوان لا تختفي .. بل تتحول.

كانت تمتزج .. تنساب .. تصنع أشكالًا لم يرَ مثلها من قبل. ومع كل حركة .. كانت تولد لوحة جديدة. نسي الهدف تمامًا. لم يعد ينظف… بل يرى.

ظل غارقًا في هذا المشهد حتى نبهته زوجته. رفع رأسه ونظر إليها .. وقال لاحقًا إنه رآها كما لو أنها تظهر له لأول مرة.

راح يكرر بدهشة صادقة:

«يا إلهي… شعرك لونه جميل .. عيناك جميلتان الخ الخ».

حتى شعرت زوجته بالخجل .. لأن الرجل الذي أمامها لم يكن الزوج المعتاد .. بل إنسانًا عاد لتوّه من يقظة نادرة.

ثم بدأ يرى البيت كله بعين مختلفة: الجدران .. اللوحات .. التفاصيل الصغيرة… رغم أنه عاش في المكان ذاته قرابة عشرين عامًا.

وعندما خرج إلى الشارع .. وقف يتأمل السحب طويلًا .. مأخوذًا بحركتها .. والوانها التى تتغير مع ضوء الشمس وحركتها .. الناس توقفوا ينظرون إليه باستغراب .. وحين قال لهم إنه ينظر إلى السحب .. انصرفوا عنه وكأنه فقد عقله.

لا يمكن .. في نظرهم .. أن تكون الدهشة بسبب شيء عادي.

ويختم قصته بدهشة أكبر:

أن الناس لا يفتقدون المعجزات… بل يفتقدون الرؤية.

نحن نحيك القصص عن أشياء خارقة لأننا لم نعد نرى الجمال الهائل في أبسط ما حولنا. ولو تأمل الإنسان أضعف مخلوقات الله بصدق .. لربما عاش الدهشة إلى الأبد.

الدهشة لا تأتي من الخارج.

لا تحتاج حدثًا استثنائيًا .. ولا سفرًا بعيدًا .. ولا معجزة سماوية.

كل ما تحتاجه هو أن نتوقف قليلًا عن رؤية الحياة بذاكرتنا… وأن نسمح لأعيننا أن ترى من جديد .. بدون ضباب الذاكرة .. بدون غبار الأحكام المسبقة .. هذا هو سر دهشة الأطفال التى فقدناها .. ان لم أقل سر الإرتقاء الى السماء ..

والسؤال لك الآن:

ما الشيء العادي جدًا الذي صادفك يومًا .. فتوقفت عنده دون سبب واضح؟

مشهد .. لون .. ظل .. تفصيلة صغيرة… وجعلتك تشعر أنك ترى العالم للمرة الأولى؟