11

سؤال الإنسان الأزلي: هل نحن أحرار أم أسرى للقدر؟!

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل ذاته وهو يحمل سؤالًا لم يخفت صداه عبر القرون:

هل أنا الذي أختار طريقي، أم أن الطريق كُتب لي منذ البداية؟

هو سؤال يطلّ علينا كلما وقفنا أمام مفترق طرق، أو شعرنا أن الظروف أقوى منا، أو حتى حين ننجح فنظن أن الفضل لنا وحدنا.

إنها ثنائية قديمة كقدم الفكر: الحرية والحتمية، الجبر والاختيار… جدلٌ دار فيه الفلاسفة، وأعمل فيه المتكلمون المسلمون عقولهم، وبقي حيًّا في وجدان كل إنسان يحاول أن يفهم معنى وجوده.

  • الفلاسفة الغربيون اختلفوا:

باروخ سبينوزا رأى أن كل أفعالنا نتيجة حتمية لأسباب سابقة؛ فنحن نتصور أننا نختار، لكننا في الحقيقة نسير وفق قوانين الطبيعة والظروف.

بينما جان بول سارتر ذهب إلى أن الإنسان "محكوم عليه بالحرية"، أي أنه لا يستطيع الهرب من المسؤولية عن اختياراته، حتى وسط أقسى الظروف.

  • أما الإسلام فقد قدم رؤية متوازنة:

القرآن الكريم يؤكد أن الإنسان مخير، كما في قوله تعالى:

"فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" وكما جاء في الحديث الشريف:

«اعملوا فكل ميسر لما خلق له»، ويبين أن الإنسان مسير، أي أن كل شيء في حياته مقدر عند الله بعلمه وقدره

وقد بيّن العلماء أن أفعال الإنسان اختيارية، لكنه لا يخرج بها عن مشيئة الله. أي أن الله قدّر أن يكون للإنسان إرادة وقدرة، ويحاسبه بناءً عليها. فنحن لسنا كالحجر الذي يتدحرج بلا وعي، ولسنا أحرارًا حرية مطلقة، بل نتحرك في مساحة وهبنا الله إياها ضمن قضائه وقدره.

  • ويبقى السؤال الفلسفي مفتوحًا:

هل تكفي هذه "المساحة المحدودة من الاختيار" لنقول إننا أحرار حقًا؟ أم أن تأثير البيئة والظروف أقوى مما نظن، فيجعلنا نبالغ في تقدير حريتنا؟


أنا أؤمن أن الحرية ليست في أن نكتب القدر، بل في أن نختار موقفنا منه. الطريق السهل هو أن نعيش ما يُفرض علينا، أن نختار "المريح"، أن نسير في مسارٍ ممهدٍ لا نغيّر فيه شيئًا. لكن الطريق الصعب، وهو ما اخترتُه، هو أن أتحمّل مسؤولية كل خطوة، حتى وإن كانت خاطئة، لأن الخطأ هو أول تصحيح لطريق النجاح.

القدر، في تصوري، ليس شيئًا نحدده، ولا وهماً نخلقه، بل هو مسار نكتشفه شيئًا فشيئًا، وكل اكتشافٍ لنا فيه هو مرآة لأفعالنا، لقراراتنا، لنوايانا. لا أستطيع أن أهرب من قدري، لأن الهروب نفسه سيكون جزءًا منه. لكنني أستطيع أن أسعى لا لأغيّره، بل لأخلق داخله طريقًا يشبهني.

القدر لا يمكن الهروب منه، لكن يمكن أن نواجهه بكرامة. وحين نفعل، نتحوّل من ضحايا إلى صانعي أثر. هذا ما يجعل الإنسان ليس مجرد مخلوق يمر، بل كائن يترك أثرًا حتى في ظلّ المجهول.

كلامك في غاية الروعة وأتفق معك تمامًا ، خاصة في قولك إن الحرية ليست أن نكتب القدر بل أن نختار موقفنا منه. وهذا يذكّرني بمقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نفرّ من قدر الله إلى قدر الله". فالقدر لا يمكن الهروب منه، لكننا نملك كيف نواجهه ونترك بصمتنا داخله.