تأمل في قوله تعالى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾

مقدمة

تأتي هذه العبارة القرآنية الموجزة في سياقٍ بليغٍ كاشفٍ عن حالٍ إنسانيٍّ خطير، قال تعالى:

﴿ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ * مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمۡ﴾ [الأنبياء: 1–3].

وليس وصف اللَّهو هنا مجرد انشغالٍ عابر، بل هو حالةٌ مستقرّةٌ في القلب؛ فالقلب ـ موضع الإدراك والوعي والخشية ـ أصبح مشغولًا عمّا خُلق له. ولذا لم يقل: لاهين، بل قال: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾؛ لأن العبرة ليست بحركة الجوارح، بل بحال القلوب.

اللهو أخطر حين يسكن القلب

قد ينشغل الإنسان بجسده وعقله بأمور الحياة، وهذا مما لا يُذمّ لذاته، لكن الخطر كل الخطر حين ينتقل هذا الانشغال إلى القلب، فيُلهيه عن الله، وعن الآخرة، وعن محاسبة النفس. فاللعب الظاهر قد ينتهي، أما لهو القلب فيُعمي البصيرة، ويجعل الذكر يمرّ على السمع مرورًا باردًا لا يوقظ ولا يغيّر.

قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:٤٦]

غياب القلب عن الذِّكر:

لفتت الآيات النظر إلى مفارقة عجيبة: ﴿ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ﴾

فالذكر يُتلى، والآيات تُسمع، لكن القلوب غائبة. وهذا أدقّ توصيف لحالٍ قد يصيب المؤمن قبل غيره: يقرأ القرآن، يحضر الموعظة، يؤدي العبادة، لكن قلبه مشغول بأشياء أخرى. فالمشكلة ليست في غياب الذكر، بل في غياب القلب عن الذكر.

اقتراب الحساب وغفلة القلوب:

افتتح الله السياق بقوله: ﴿ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ﴾، وكأن الآية تقول: كلما اقترب الموعد، كان الأولى أن يزداد الانتباه، لكن الواقع أن الغفلة تزداد، واللهو يترسخ في القلوب. وهذه المفارقة المؤلمة تتكرر في كل زمان، حين تطول الآمال وتُنسى الحقائق الكبرى.

رسالة قرآنية مهمة:

هذه الآية ليست وصفًا لغيرنا فحسب، بل مرآةٌ نُحاسب بها أنفسنا:

  • هل نسمع القرآن بآذاننا فقط، أم بقلوبنا؟
  • هل نؤدي العبادات عادةً أم حضورًا؟
  • ما الذي يملأ قلوبنا حقًا حين نخلو بأنفسنا؟

سبيل النجاة

دواء لهو القلب ليس في ترك الدنيا، بل في إعادة ترتيبها داخل القلب. أن تكون الدنيا في اليد لا في الفؤاد، وأن يكون الذكر حاضرًا، والخشية يقظة، والمحاسبة دائمة. فالقلب إذا امتلأ بالله، لم يجد اللهو إليه سبيلًا.

خلاصة القول:

﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ آية قصيرة، لكنها جرس إنذار طويل الأثر، تذكّرنا أن أخطر أنواع الغفلة تلك التي تصيب القلب وهو يظن أنه حاضر، وأن النجاة تبدأ من قلبٍ واعٍ، متصلٍ بالله، منتبهٍ للآخرة قبل فوات الأوان.