مقال بعنوان: منهجية التغيير نسبية إضافية
في بداية أحداث الربيع العربي، والإسلامي؛ رفع أحدهم لافتةً مكتوبٌ عليها "أتى أمر الله فلا تستعجلوه" فخمن أحد المعلقين أن حاملها فيلسوف الثورات.....
لا زالت تلك العبارة تحفر أخاديدها في ذهني في سنوات الثورة الماضية؛ حتى تشكلت لديَّ قناعةٌ بأنها القاعدة الكلية في منهج التغيير والحركة.
إلا أن أحد الجهال؛ وبعد سقوط نظام مبارك نقض القاعدة باستعجاله الأمر، وحكم على كل التجارب العسكرية، والجهادية بالفشل فقال باقتضاب ساذج: (مات بن لادن في ساحة التحرير).
فرد مايكل شوير على هذا الإتجاه موضحاً بأن الاسلام الجهادي لم يسقط نظاماً محلياً - وظيفياً عميلاً- فحسب؛ وإنما أسقط الإمبراطورية الروسية، وكان القشة التي فككت الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو عام ١٩٩١.
وبعد فرح الإخوان باستلام السلطة، والذي لم يلبث طويلاً؛ حتى قام العسكر بالانقلاب مثبتين للعالم أجمع أن النظام السابق لا زال موجوداً؛ ولم يتغير فيه سوى شخص الرئيس المخلوع، فأخذ المنظرون يلقون باللوم على الإخوان بأن استلامهم للحكم كان خطأ استراتيجياً؛ وفي الوقت ذاته أشادوا بتجربة تونس؛ وأنها النموذج الناجح بالمقارنة مع غيرها.
ولم يلبث أيضاً أن يردد الناس هذا الكلام مسلِّمين به، حتى انقلب النظام العميق -وبعد عشر سنوات من سقوط نظام تونس- على البرلمان والحريات والديمقراطية ليعود الطغاة من جديد؛ ويزاول الديكتاتور طريقته المعهودة في الحكم.
صدرت هذه التحولات في الأفكار والاضطراب في الحكم على مناهج التغيير، لأخلص بنتيجة سننية ثابتة؛ بأن الأنظمة العميقة لا ينفع معها الحلول السلمية المحضة ولا ينفع معها القطع وإبقاء الجذور فهي تحتاج الى اجتثاث من أصولها ودون ذلك خرط القتاد
ولعل الحديث عن الطالبان يوضح ذلك أكثر؛ فالطالبان كان مجراها في التغيير بيِّناً واضحاً؛ ومن الواضح أيضا أنها رفعت من مستواها السياسي، وخطابها الدبلوماسي مستدركة بذلك التصحيح في سياق طريقها للوصول.
إلا أن المتفق عليه أنها لم تختر الحل السلمي بشكل ساذج مع نظام قائم على الحروب والدماء، كما أنها لم تكتف بقوة السلاح في طريقها للنصر؛ بل وازنت بين أصل منهجها بالجهاد والقتال؛ وبين خطابها السياسي الجديد ، و الذي لا شك فيه أن السيف كان هو الحكم في حسم المعركة ليجبروا رئيس أعتى قوة في العالم أن يصرح بأن الاستمرار في هذه المعركة انتحار لا محالة، وليخلد مقالة أقر بها بعد عقدين من الحروب بأن افغانستان مقبرة الإمبراطوريات..
لكن الجدال والسجال يبقى قائماً حول التغيير ومناهجه؛ ومن هاهنا نصل إلى نتيجةٍ حتميةٍ بأن منهجيةَ التغيير مسألة نسبية إضافية، فهي بحسب المعطيات وواقع الحال إزاء كل حركة تسعى لذلك؛ فاعتبار الجغرافيا، والتاريخ، وحقيقة الصراع، وطبيعة الدولة المعادية، وحتى المذاهب الفقهية لكل حركة، وطبيعة شعوبها، وغيرها من الظروف؛ فاعتبار ذلك كله وعلى ما فيها من الفروق يؤكد على أن من الخطأ استنساخ التجارب ذاتها مع الفروق الصارخة في المعطيات أحياناً؛ وهذا هو القياس مع الفارق؛ كالطفل الذي يرتدي حذاء أبيه متصوراً بأنه سيصبح بحجم أبيه؛ وتصبح خطواته أكبر، وسيمشي بسرعة أبيه فما يلبث أن يرفع إحدى رجليه ليتعثر ويسقط على الأرض ليدرك حينها أن هذا الحذاء لا يصلح له وهو في هذا الحجم بل سيكون وبالاً عليه وسبباً لسقوطه إن كرر ذلك ..
فعلينا أن نقف إزاء كل حالة وفقاً للتوصيف الصحيح بإطالة النظر، والتأمل الدقيق الشامل للواقع، وتفاصيله الصغيرة دون الاستهانة بأدنى سبب والذي قد يكون في نهاية المطاف القشة الصغيرة التي ستقصم ظهر الطغاة وتكون السبب الأخير للنصر اللهم انصرنا واستخدمنا ولا تستبدلنا أنت ولي ذلك والقادر عليه..
والحمد لله رب العالمين
عواد مخلف فاضل
تاريخ المقال ٢٠٢١ بعد انتصار الطالبان بأيام.. المقال غير منشور في المواقع