المزاح… بين مسلبة البهاء ومقطعة الصداقة
تأمل في أثرٍ من كلام السلف: "المزاح مسلبة للبهاء، مقطعة للصداقة."
تمهيد:
الناس مجبولون على حبّ اللطف وخفة الظل، والمزاح في الأصل ليس مذمومًا شرعًا، بل قد فعله النبي ﷺ، ولكنه وضع له حدودًا دقيقة، إذا تجاوزها الإنسان، انقلب المزاح من وسيلة للأنس… إلى سبب للمهانة والقطيعة.
ومن هنا جاءت هذه الحكمة البليغة:
"المزاح مسلبة للبهاء، مقطعة للصداقة."
أولًا: ما معنى "المزاح مسلبة للبهاء"؟
البهاء هو الجمال المعنوي، والوقار، والهيبة التي تجعل للمرء وزنًا بين الناس.
والمزاح إذا أُفرط فيه:
- سلب الإنسان هيبته.
- وجعل الناس لا تأخذ كلامه بجدية.
- وربما جعل صغير القوم يتطاول عليه!
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"من كثر ضحكه قلّت هيبته، ومن مزح استخفّ به."
مزاح الحكماء… ومزاح السفهاء
- الحكيم يمزح في موضعه، ويقصد الترويح دون خدشٍ أو جرح.
- أما السفيه، فيجعل المزاح عادة، ووسيلة للتهكم أو لفت الأنظار.
فتسقط المروءة، وتبهت الصورة، ويذوب الوقار.
ثانيًا: كيف يكون المزاح مقطعة للصداقة؟
لأن كثرة المزاح:
- تفتح باب التجرؤ بين الأصحاب.
- وتطلق الألسنة بعبارات قد تحمل سخرية، أو تلميحًا جارحًا.
- وقد يُؤوِّلها الطرف الآخر على غير وجهها، فتكون سببًا في زعل دائم أو خصومة خفية.
بل كم من علاقاتٍ متينة تآكلت… بسبب "مزاحٍ ثقيل" أو "كلمة عابرة" لم تُغتفر!
قال عمر بن عبد العزيز:
"اتقوا المزاح، فإنه يذهب المروءة."
ثالثًا: ما المزاح المحمود؟
المزاح المقبول هو:
- الذي لا كذب فيه.
- ولا إيذاء.
- ولا يخدش المروءة.
- ويكون في وقته، وبقدره.
وقد كان رسول الله ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقًا، ومن ذلك:
أنه قال لعجوز: "لا تدخل الجنة عجوز!" ثم بيّن لها أن أهل الجنة يدخلونها في سنّ الشباب.
فمزاحه ﷺ:
- يسرّ القلب.
- ولا يؤذي النفس.
- ويُبقي الوقار النبوي حاضرًا.
الخلاصة:
المزاح كالملح في الطعام:
- إن زاد أفسد المروءة والصحبة.
- وإن خلا منه فقدت المجالس روحها.
لكن العاقل:
- يُجَمِّل وقته بالمزاح لا يَغرق فيه.
- ويزن كلماته قبل أن يضحك غيره بها، فيحزن قلبه بعدها.
فلنمزح كما كان النبي ﷺ يمزح:
صدقٌ، ولطفٌ، بلا مبالغة… ولا تجريح.