من مفسدات القلوب (طول الأمل)

الإنسان بطبيعته يحب الحياة، ويسعى فيها بكل ما أوتي من قوة، يخطط، يحلم، ويرجو أن تمتد به الأيام ليحصد ما زرع. لكنه في غمرة ذلك، قد يغفل عن حقيقة كبرى: أن الأجل أقرب مما يظن، وأن ما يُخطط له اليوم قد لا يراه غدًا.

يقول الشاعر:

**يؤمل دنيا لتبقى له ** فمات المؤمِّل دون الأمل

**حثيثًا يروّي أصول الفَسيل ** فعاش الفسيل ومات الرجل

هذا هو حال كثيرٍ من الناس، يبنون أحلامًا تمتد إلى سنين طويلة، يظنون أنهم سيعمرون الدنيا ويبقون فيها أبدًا، لكن الأجل يأتي بغتة، فيمضي الإنسان وتبقى آثاره شاهدة على أمل لم يتحقق.

ما معنى طول الأمل؟

طول الأمل هو استغراق القلب في الدنيا، وتوهم أن العمر طويلٌ بما يكفي لتحقيق كل الرغبات، مما يؤدي إلى الغفلة عن الآخرة، والتكاسل عن الطاعات، والانشغال بما هو فانٍ عن الباقي.

قال رسول الله ﷺ:

"يشيب ابن آدم وتشبُّ معه خصلتان: الحرص وطول الأمل" (رواه مسلم).

لماذا يعد طول الأمل مفسدة للقلب؟

  1. الغفلة عن الموت
  2. طول الأمل يجعل الإنسان ينسى أن لكل نفسٍ أجلًا محتومًا، فيؤجل التوبة، ويستهين بالمعاصي، ويتكاسل عن الطاعات، ظانًا أن أمامه متسعًا من الوقت.
  3. الركون إلى الدنيا ونسيان الآخرة
  4. من طال أمله، انشغل بجمع المال، وبناء المشاريع، وتحقيق الأهداف، حتى يصبح ذكر الموت ثقيلًا عليه، فلا يحب سماعه ولا التفكير فيه.
  5. التسويف والمماطلة في الطاعات
  6. "سأتوب لاحقًا"، "سأبدأ الصلاة قريبًا"، "سأحفظ القرآن عندما أتفرغ"، وتمر الأيام، وينتهي العمر، ولم يفعل شيئًا مما وعد نفسه به.

ما الفرق بين الأمل المحمود وطول الأمل المذموم؟

  • الأمل المحمود: هو الذي يدفع الإنسان للعمل، ويجعله يسعى لما ينفعه في دينه ودنياه، مع يقينه بأن الأجل قد يأتي في أي لحظة.
  • طول الأمل المذموم: هو الذي يجعل الإنسان يركن إلى الدنيا، ويغفل عن الآخرة، ويعيش كأنه لن يموت أبدًا.

كيف نتخلص من طول الأمل؟

  1. تذكر الموت دائمًا
  2. قال النبي ﷺ: "أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت." (رواه الترمذي).
  3. المسارعة إلى الطاعات
  4. لا تؤجل عمل الخير، ولا تؤخر التوبة، فما يدريك إن كنت ستعيش حتى الغد؟
  5. العيش بيقين أن الدنيا ممر لا مقر
  6. الدنيا دار فناء، مهما جمع الإنسان فيها، سيتركه يومًا ما، وسيقف بين يدي الله وحيدًا لا يملك إلا عمله.

الخاتمة

طول الأمل خدعة يزرعها الشيطان في القلب ليصرفه عن الآخرة، فيعيش الإنسان في غفلة، حتى يأتيه الموت على غرة. وما أعظم قول الإمام علي رضي الله عنه:

"إنما الدنيا فناء، وعناء، وغدر، وضرر، وإنّ الله لم يرضها ثوابًا لأوليائه، ولا عقابًا لأعدائه."

فلنكن من أصحاب الأمل المحمود، لا من الغافلين الذين يخدعون أنفسهم بأمل كاذب لا يتحقق، حتى لا نكون ممن عاشوا للدنيا وتركوا الآخرة، فعاش الفسيل، ومات الرجل.