من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه
حديث النبي ﷺ: «إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (رواه البخاري ومسلم) هو قاعدة عظيمة في السلوك الإسلامي، تدعو المسلم إلى الورع والحذر في التعامل مع الأمور الملتبسة التي قد تجرّه إلى الحرام.
معنى الحديث وأهميته
الحلال واضح لا لبس فيه، والحرام واضح كذلك، ولكن بينهما أمور مشكوك فيها، قد لا يكون الحكم عليها جليًّا لكثير من الناس. فمن تجنّب هذه الأمور ولم يقع فيها، فقد حافظ على دينه من الوقوع في الحرام، وحمى نفسه من الشبهات التي قد تسيء إلى سمعته أو تؤدي به إلى الحرام دون أن يشعر.
لماذا يُستحب اجتناب الشبهات؟
1. صيانة للدين: البعد عن الشبهات يجعل الإنسان في مأمن من الوقوع في المعصية، فهو كمن يبتعد عن حافة الهاوية فلا يخشى السقوط.
2. حماية للعرض: الناس يحكمون على الظواهر، ومن وقع في الشبهات تعرّض للقيل والقال، وربما اتُّهم بشيء لم يفعله.
3. ورع وتقوى: الاجتناب دليل على تعظيم أوامر الله وحب الطهارة القلبية والخوف من الوقوع في الحرام.
كيف نتعامل مع الشبهات؟
1- طلب العلم الشرعي: كثير من الشبهات تزول بالعلم، فعلى المسلم أن يسأل أهل الذكر إذا التبس عليه أمر.
2- الرجوع إلى القلب: كما قال النبي ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (رواه الترمذي)، أي إن شعرت بتردد وعدم راحة تجاه أمر معين، فالأفضل اجتنابه.
3- البحث عن البدائل الواضحة: في كثير من الأحيان، لا يحتاج الإنسان إلى الأمور المشتبهة، فهناك بدائل واضحة مباحة.
أمثلة عملية على اجتناب الشبهات
1. التعامل مع المال المشبوه
شخص يعمل في مجال يختلط فيه الحلال بالحرام، مثل موظف في شركة تتعامل ببعض المعاملات الربوية. إذا تجنب هذا العمل وحرص على وظيفة خالية من الشبهات، فقد استبرأ لدينه وماله.
2. الهدايا والعطايا المشبوهة
موظف يُعرض عليه هدية من شخص له مصلحة معه، وقد تكون نوعًا من الرشوة المغلفة. إن رفضها احتياطًا، فقد حمى نفسه من الوقوع في الحرام.
3. العلاقات الاجتماعية غير الواضحة
شاب أو فتاة يتعاملون مع الجنس الآخر بطريقة ليست واضحة، كالصداقة القريبة جدًا أو المراسلات المستمرة التي قد تؤدي إلى التعلق العاطفي. تجنب هذه العلاقات المشتبهة يجعل الإنسان أكثر نقاءً.
4. الاستهلاك الإعلامي
مشاهدة أو متابعة محتوى ترفيهي يحمل رسائل غير أخلاقية، أو فيه ترويج لأفكار مشبوهة، حتى لو لم يكن فيه شيء صريح، قد يكون من الشبهات التي ينبغي الحذر منها.
5. العمل في بيئات غير مناسبة
موظف يعمل في مكان تنتشر فيه المعاصي أو يسوّق لمنتجات أو خدمات محرمة، حتى لو لم يكن هو الفاعل المباشر، فقد يكون في موضع شبهة تؤثر على دينه.
6. التعامل مع القروض البنكية
شخص يريد شراء منزل، وعُرضت عليه قروض بفوائد غير واضحة، فإذا تجنبها ولجأ إلى بدائل إسلامية موثوقة، فقد استبرأ لدينه.
7. المجالس التي فيها غيبة ونميمة
حضور مجالس يغلب عليها الحديث في أعراض الناس، حتى لو لم يشارك الشخص بالكلام، فقد يكون في موضع شبهة. إن اجتنب هذه المجالس، فقد حفظ دينه وعرضه.
الخاتمة
اجتناب الشبهات ليس تشددًا، بل هو طريق للراحة النفسية والاستقامة. من يبتعد عن الأمور الملتبسة يعيش في وضوح وصفاء، فلا يحتاج إلى تبرير أفعاله أو القلق مما قد يترتب عليها. كما أن الورع في الدين دليل على اكتمال التقوى، ومن اجتنب الشبهات فقد حمى دينه ونفسه من الانزلاق إلى الحرام. وهذا لا يعني التشدد بلا دليل، بل هو باب للاحتياط والتحري فيما قد يؤدي إلى معصية الله، لأن من يقترب من الحرام قد يقع فيه دون أن يشعر، كما قال النبي ﷺ في تتمة الحديث: «كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه».