حكم مس المصحف للحائض: دراسة فقهية

مقدمة

القرآن الكريم هو كلام الله المعجز، وهو مصدر الهداية للمؤمنين، وقد عظّمه الله تعالى وأمر بقراءته وتدبّره، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۝ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ۝ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة: 77-79). ومن المسائل الفقهية التي يكثر السؤال عنها: هل يجوز للحائض أن تمسّ المصحف؟ هذه المسألة خلافية بين العلماء، ولكل رأي أدلته الشرعية.

أقوال الفقهاء في مس المصحف للحائض

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين رئيسيين:

الرأي الأول: تحريم مس المصحف للحائض

ذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة (الحنفية، المالكية، الشافعية، والحنابلة) إلى تحريم مس المصحف للحائض، واستدلوا بأدلة منها:

1. الآية الكريمة: "لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ" (الواقعة: 79).

قالوا إن "المطهرون" تشمل المسلمين الطاهرين من الحدث الأكبر والأصغر، وعلى هذا فلا يجوز لغير المتطهر أن يمس المصحف.

2. حديث عمرو بن حزم رضي الله عنه أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن:

"ألا يمس القرآن إلا طاهر" (رواه مالك والدارقطني وحسّنه الألباني).

هذا الحديث يدل على اشتراط الطهارة عند مس المصحف.

3. القياس على الجنب:

الحائض تمنع من الصلاة ومس المصحف كما يُمنع الجُنب، مع الفرق في طول مدة الحدث بينهما.

الرأي الثاني: جواز مس المصحف للحائض عند الحاجة

ذهب بعض أهل العلم، كابن حزم الظاهري، وبعض المعاصرين، إلى جواز مس المصحف للحائض عند الحاجة، واستدلوا بما يلي:

1. عدم وجود نص صحيح صريح في المنع

قالوا إن حديث "لا يمس القرآن إلا طاهر" فيه ضعف، ولو صحّ فإن "طاهر" تطلق على المؤمن، كما في قوله ﷺ: "المؤمن لا ينجس" (رواه البخاري ومسلم).

2. عدم قياس الحائض على الجنب

الجُنب يستطيع أن يغتسل متى شاء، أما الحائض فلا تستطيع ذلك حتى ينقطع الدم، وهذا يدل على عدم المساواة بينهما في الحكم.

3. حاجة الحائض إلى قراءة القرآن

خاصة المعلمة أو الطالبة، فمنعها من مس المصحف قد يسبب مشقة عليها.

الحكم الوسط: مس المصحف مع وجود حاجز

ذهب بعض العلماء إلى التوسط بين القولين، فقالوا:

يجوز للحائض أن تمس المصحف بحائل، كالقفاز أو قطعة قماش، وهذا رأي المالكية وبعض الحنابلة.

استدلوا بأن النهي عن المس المباشر، لكن مع وجود حاجز لا يكون هناك إشكال.

ماذا عن قراءة القرآن للحائض دون مس المصحف؟

أجاز جمهور العلماء قراءة الحائض للقرآن دون مس المصحف، سواء من الحفظ أو عبر الأجهزة الحديثة (الهاتف أو التابلت)، خاصة إن احتاجت لذلك، كالمعلمة والطالبة.

خاتمة

الخلاف في مسألة مس المصحف للحائض موجود بين العلماء، والأحوط هو اجتناب المس المباشر للمصحف، إلا عند الحاجة أو مع وجود حاجز. ومن المهم أن يُعلم أن القرآن في القلوب وليس مجرد كتاب يُمسّ باليد، فالعبرة بتدبره والعمل به، لا بمجرد مسّه.

والله أعلم.