في البدء، لم تكن هذه المنصة مجرد شاشة زرقاء أو خوارزمية صامتة على شبكة الإنترنت. كانت بالنسبة للكثير، بمثابة " بُستان" رقمي، ومقهى فكري يجمع شتات العقول العربية الشغوفة. كنا نأتي إلى هنا لنبني مجتمعاً، لنصنع المعنى، ولنلتقي بأرواح تُشبهنا في شغفها بالكلمات، بالتقنية، والكتابة، في بناء الحاضر والغد الآتي.
لكن الأيام مرت، وشيءٌ ما بدأ يتآكل في روح هذا المكان.
فجأة، بدأت التغيرات تتسلل إلى زوايا المكان الذي ألفناه. كانت أولى الخدوش تلك التحديثات البرمجية الصارمة التي جرّدت المكان من إنسانيته؛ حُجبت الصور، وتضاءلت التفاصيل، وبات الحوار يدار بين حساباتٍ مبهمة ونصوصٍ مجردة.
تحول الفضاء التفاعلي الفكري الدافئ الذي تُبنى فيه شبكات معارف وعلاقات إنسانية إلى ما يشبه ممر مجهول الهوية، تتحدث فيه مع أطيافٍ بلا ملامح.
ومع فقدان هذه المزايا، بدأ الرحيل، هاجرت العقول،و حزم صناع المحتوى المميزون والنخبة الفكرية أمتعتهم الفكرية ويمّموا شطر شبكات أخرى تفرد لهم مساحة للظهور ولإبراز علاماتهم الشخصية. وبغيابهم، خفت حبر المقالات العميقة، وتراجعت جودة النقاشات الإثرائية التي كانت السبب الأول لوجود هم هنا، ليحل محلها صمتٌ مُربك،وأطروحات عابرة لا تروي شغف قارئ.
لم يكن هذا الجفاف وليد الصدفة، إنه انعكاساً لترتيبٍ جديد في الأولويات؛ حيث يطغى التركيز على النماذج التجارية والخدمية والحلول التعليمية، على حساب العناية بذاكرة المجتمع ونبضه الحواري.
سادت سياسات برمجية صارمة وفلترة آلية جافة، تُشعر الكاتب أو المناقش وكأنه يسير في حقل من الألغام والتيه، بينما باتت تجربة الاستخدام تتراجع وتتثاءب أمام سرعة العالم الرقمي من حولنا.
أعلم أن العالم ككل يتغير، وأن المحتوى السريع خاطف الأبصار أكل الأخضر واليابس من ثقافة القراءة العميقة.
لكننا كنا نأمل أن يظل هذا المكان استثناءً كما وجدناه، ملجأً يقاوم الانحدار نحو السطحية.
أن تكتب اليوم هنا، يعني أن تصارع شعوراً ثقيلاً في مكان كنت تحسبه مُختلفاً عن باقي المنصات والمواقع.
هي ليست خصومة مع المنصة، هي شقوة العاشق وعتاب العارف؛ عتابٌ لمكان منحنا يوماً مساحة مُختلفة، ونتمنى لو يعود ليكون كما كان.
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش