قد ينجح المستعمر في بسط نفوذه على أرض غيره، وقد يتمكن من قمع أهلها وتشريدهم وإخماد أصواتهم زمناً، لكنه يبقى عاجزاً عن إنجاز أصعب خطوات التوسع والاستحواذ: القضاء على حب الأرض في نفوس أصحابها.
فالأرض ليست مجرد مساحة تُحتل، بل هي ذكرى وهوية وانتماء يسكن القلوب. لذلك قد يستطيع المستعمر أن يقتل شعباً أو يفرقه في المنافي، لكنه لا يستطيع أن يقتل تعلقه بوطنه. يبقى هذا الحب حياً، يتوارثه الأبناء عن الآباء جيلاً بعد جيل، كما تتوارث الجذور ماءها في أعماق التربة.
ومن هذا الحب تولد الرغبة في التحرر، وتنبعث محاولات استرداد الحق. قد تخمد شعلة النضال تحت وطأة القمع، وقد تضعف حيناً، لكنها لا تنطفئ. فما إن تخف قبضة الظلم حتى تعود للاشتعال من جديد، لأن وقودها كامن في النفوس لا في الظروف.
ولهذا يظل المستعمر مطارداً بهاجس لا يفارقه؛ فصوت المطالبة بالحق يبقى ذلك الإزعاج الدائم الذي يعكر راحته، والنار التي يظن أنه أخمدها تعود للاشتعال كلما غفل عنها. وهكذا يعيش في قلق مستمر، لأنه يدرك أن السيطرة على الأرض أيسر بكثير من السيطرة على القلوب التي ما زالت تؤمن بأنها صاحبة الأرض الحقيقية.