ستة أشهرٍ كاملة مضت منذ أن تركت آخر حرف هنا. لم أودّع أحدًا، ولم أشرح سبب الغياب، وكأنني أغلقت الباب خلفي بهدوء، ثم مضيت أبحث عن شيءٍ لم أكن أعرف اسمه.

لم يكن الغياب لأن الكتابة خانتني، بل لأن الحياة كانت أعلى صوتًا من الكلمات. كانت الأيام تمضي مسرعة، تحملني من امتحان إلى آخر، ومن مسؤولية إلى أخرى، حتى صرت أؤجل نفسي في كل مرة، وأقول: سأعود غدًا.

لكن الغد كان يؤجلني أيضًا.

وخلال هذه الأشهر، أدركت أن الإنسان قد يبتعد عن الأماكن التي يحبها، لا لأنه لم يعد يحبها، بل لأنه أرهقته الحياة حتى لم يعد يملك القدرة على أن يقول ما يشعر به.

اشتقت إلى هذا المكان، إلى الحروف التي كنت أترك فيها شيئًا مني، وإلى الأشخاص الذين كانوا يقرأونني دون أن يعرفوا عني شيئًا سوى أنني أكتب بصدق.

عدت اليوم، ولست الشخص نفسه الذي رحل قبل ستة أشهر. لقد علّمتني الأيام أشياء كثيرة، وغيّرت في داخلي أشياء لم أكن أظن أنها ستتغير. خسرت بعض الأوهام، وربحت شيئًا من النضج، وعرفت أن الإنسان لا يبقى ثابتًا مهما حاول.

ولذلك، إن وجدتم أن كلماتي أصبحت مختلفة، فاعلموا أن الحياة هي من أعادت صياغتها، وأن كل تجربة نمر بها تترك أثرها على أسلوبنا، وعلى قلوبنا قبل أقلامنا.

لا أعدكم بأنني سأكون حاضرة كل يوم، لكنني أعدكم بشيء واحد: أنني كلما كتبت، سأكتب بصدق، لأن الحروف التي لا تشبه أصحابها لا تعيش طويلًا.

سلامٌ على الذين تذكروني رغم الغياب، وسلامٌ على الذين سيقرؤونني للمرة الأولى، وسلامٌ على هذا الركن الذي احتفظ بمكاني، حتى عدت إليه بعد ستة أشهر، أحمل قلبًا أكثر هدوءًا، وحكاياتٍ أكثر عمقًا، وشوقًا لا تصفه الكلمات.