امشي على قدمكَ المكسورة ولا تترك أثر يدك على كتف أحد دوستويفسكي

تجسد مقولة دوستويفسكي دعوة صارمة للاكتفاء الذاتي والصلابة في مواجهة الأزمات، حتى لو كان الإنسان يتألم فعليه أن يتحمل ألمه ولا يستعين بأحد. هناك نموذجين متناقضين أراهما باستمرار؛ يرى النموذج الأول ما يراه دوستويفسكي حيث يرى مقولته دستوراً للكرامة والأنفة، حيث يفضل هذا النموذج تحمل أشد الآلام والاعتماد المطلق على النفس بدلاً من طلب مساعدة قد تتحول يوماً إلى منّة أو دين معنوي. صديق لي كان لا يطلب من أحد شيئاً حتى لو كان بسيطاً هو يرى ذلك ينقص من شأنه ويحمله دين. بالمقابل، يرى النموذج الثاني في العبارة قسوة مفرطة تدعو للعزلة، مؤمناً بأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وأن تبادل الدعم وقبول مساندة الآخرين الصادقة ليس ضعفاً، يراه تجسيد للمرونة والتكامل الإنساني.

وبالنسبة لي تكمن الحكمة في موازنة هذين المنظورين، بامتلاك الصلابة الداعمة للذات، مع عدم التردد في الاستناد إلى الأكتاف الوفية التي تدعمنا بحب دون شروط.. لكن طبعاً المشكلة تكمن في أن نستند على من ليس أهلا لذلك، مثل شخص يعايرنا بعد ذلك، أو ينتقص منا ولو في نفسه.. وقتها يكون تحمل الأذى أفضل من الاستعانة به.


بالنسبة لي فقدت الثقة في الأخرين بسبب تجارب عدة فأصبحت أعمل بهذه النصيحة رغم عدم إقتناعي بها، لكن في النهاية أرى أن كل مننا يحتاج إلى هذا الشريك في حياته الذي يستند عليه سواء بالنصح أو بالمساعدة، وأعتقد أن هذا الشريك قد يكون صديق مقرب منذ سنوات أو قد يكون زوجتك أو والدك أو اخوك، لكن لا أرى أنه قد يكون أي شخص بدرجة قرابة أقل من هذه، لأن الغرباء والأصدقاء الغير مقربين بدرجة كافية سيعتبروا مساعدتهم لك دين عليك، وهذه النظرة هي التي تجعل هناك إحتمالاً للمعايرة في المستقبل

الثقة لا تُبنى فقط على درجة القرابة، وإلا لكان كل الناس يثقون بأقاربهم ويخافون من الغرباء، لكن الواقع مليء بقصص العكس. فهناك من تعرض للخذلان من أقرب الناس إليه، وهناك من وجد الدعم الحقيقي من صديق حديث أو حتى شخص لم تربطه به سوى مواقف قليلة لكنها صادقة، . وبعض الناس يساعدون فعلا بدافع المروءة أو المحبة دون انتظار مقابل أو معايرة لاحقة. هناك من نستند إليه رغم أنه ليس من دائرتك الضيقة، وهناك من لا تستطيع الاتكاء عليه رغم أنه من أقرب الناس إليك.

لكن لا أرى أنه قد يكون أي شخص بدرجة قرابة أقل من هذه، لأن الغرباء والأصدقاء الغير مقربين بدرجة كافية سيعتبروا مساعدتهم لك دين عليك، وهذه النظرة هي التي تجعل هناك إحتمالاً للمعايرة في المستقبل

الأمر يتوقف على درجة الصداقة، بعض الأصدقاء يكونوا قريبين أكثر من الأهل بكثير، هذا النوع من الصداقة أصبح قليل.. لكنه موجود. المحظوظ من كان هذا الشخص في حياته هو شريك حياته في نفس الوقت، زوج وزوجة بينهم صداقة.