12

القدرة على الترك أساس النجاح

رأيت الكثير ممن يحسبون 1000 حساب للترك فمنهم من يكتشف عيوبا في شريكه أثناء فترة الخطوبة لكنه يتردد في الترك، ومننا من يتضرر من علاقة صداقة مستمرة لكنه يعجز عن الخروج منها، ومننا من يتردد أشد التردد في الإبتعاد عن أقارب أو عن عمل، وهذا ما يجعل الحزن والهم يُلازمنا فترة كبيرة من وجهة نظري.

بل وأكثر الأمثلة التي تصيبني بالجنون من التعجب منها هو هؤلاء الذين يخطبون خطوبة صالونات، ثم يكتشفون أن الشخص غير مناسب لا لعيب فيه ولكن لعدم إتفاق شخصياتهم أو إنعدام الإرتياح والإنجذاب بينهم، ثم لا يفكرون في الترك فقط لعدم وجود عيب في الطرف الأخر يدعوا للترك من وجهة نظرهم! وكأن إنعدام الإنجذاب والإنبهار ليس سبباً كافياً لترك شخصية لم تكن تعرف أسمها من شهور قليلة!

أعتقد أن علينا التخلي عن هذا التعلق الذي يجعلنا نتعلق بكل شئ حولنا مخافة تجربة ما لم نجربه بعد، فبدون الـتجربة المستمرة لن نصل للأفضل ولن نترك الاسوأ، ولا أعلم لماذا الكثيرين يخشون الترك بهذا المقدار من الخوف، لكن ربما للأمر أبعاد نفسية أعمق مما نظن


التعليق السابق

أظن عزيزي يوسف أن نقطة الالتباس جاءت من تفسير كلامي على أنه دفاع عن التعارف السريع أو عن جعل الخطوبة عادة، وهذا ليس ما قصدته إطلاقاً. أنا متفق معك أن التعارف السريع لا يتيح اختياراً ناضجاً، وأنه أحد أكبر أسباب سوء التقدير. لكن ما كنت أتحدث عنه هو شيء مختلف تماماً: الخوف الاجتماعي من تكرار الخطوبة عند الضرورة. وبالمناسبة، ليس شرطاً أن يبدأ التعارف قبل الخطوبة حتى يكون الزواج ناجحاً. يمكن أن يتعرف الشاب على الفتاة عند الخطوبة نفسها، لكن تكون خطوبة ممتدة وواعية، فيها وقت كاف ليتعرف كل طرف على الآخر بوضوح قبل أن يتورطا ضمن زواج غير متوافق. يعني لا يجب أن نفترض أن الزواج الناجح يبدأ حصراً من خارج إطار الخطوبة، ولا أن الخطوبة (لا أتحدث عن الخطوبة السريعة طبعاً) تعني بالضرورة اختياراً سيئاً. المهم أن يُمنح الطرفان الوقت الكافي للتعرّف الحقيقي، وأن يكون التراجع خياراً طبيعياً إذا لم يظهر التوافق بدون خوف من كلام الناس.

المشكلة أن الخطوبة بدون معرفة مسبقة حتى ولو إمتدت لفترة زمنية هي في النهاية مدعومة بالكبت العاطفي الشديد الذي دفعنا اصلاً لخوض غمار التجربة والتقدم لمن لا نعرف وخطبة من لا نعرف، فما الدافع الذي يدفعك لخطبة فتاة لا تعرفها إلا رغبتك الشديدة في الزواج والفراغ العاطفي الكبير الذي يتحكم في عقلك؟ وبالتالي أي تقييم سيتم في هذه الفترة سيكون غير عقلاني بشكل كامل، بل وأيضاً سيكون هناك حيز كبير من التصنع والتمثيل من الطرفين ولن يتعاملوا معاً بتلقائية إلا بعد فترة كبيرة وهذه الفترة ستكون كافية جداً لخلق التعلق العاطفي داخلهم وهذا فخ أخر، لذلك أخالفك الرأي أعتقد أن الخطوبة الصالونات هي أكثر قرار خاطئ قد تتخذه في حياتك حتى ولو كانت فترتها كبيرة

بل على العكس، الزواج الذي تسميه صالونات لديه ميزة انك غير متعلق بالشخص أصلًا، فنستطيع تحكيم عقلك في الحكم عليه ولا تكون منجرفًا بالعاطفة كما فيما يسمى الزواج عن حب، والذي هو انبهار وتكون المشاعر فيه قوية تمنع العقل من التفكير المنطقي، وحتى لو وجدت الشخص غير مناسب لك فلا تستطيع التخلي عنه لأنك تحبه (أو بمعنى أصح متعلق به)، بينما الصحيح هو أن تتعرف على الشخص في حضور الأهل وفي إطار قليل المشاعر وبه حدود تمنع العاطفة من أن تكون هي سيدة الموقف، فتستطيع أن تتعامل معه وتعرف شخصيته وأفكاره وإن كنتما مناسبين.

لو أخذنا التجربة الغربية مثالاً على ما تقوله، فسنجد أن العلاقة قبل الخطوبة لا تضمن نجاح الزواج بأي شكل، والدليل أن معدلات الطلاق والخيانة هناك مرتفعة جداً رغم انتشار هذا النمط. بالمقابل، زواج الصالونات السريع ليس أفضل حالاً من وجهة نظري، بل هو كارثة.

أما الخطوبة بمدة كافية، فأراها الخيار الأنسب لمجتمعنا بغالبيته، لسبب بسيط وهو أننا نتحدث عن بيئة لها خصوصيتها وعاداتها وتقاليدها، وشريحة واسعة من الناس ترفض أي اختلاط خارج إطار الخطبة والزواج، وهذا واقع لا يمكن تجاهله.

وأختلف معك أيضاً بفكرة أن التعلق العاطفي والتصنع والتمثيل حكر على حالة بعينها، فهذه الأمور موجودة ضمن العلاقات بكل أشكالها، وربما تكون أكثر حدة أحياناً حين تكون العلاقة خارج أي إطار واضح.