لا يوجد شئ اسمه مرحلة المراهقة

الكثير يقتنعون بوجود هذه المرحلة التي هي أوائل السنين بعد البلوغ إلى سن العشرين ويسمونها بمرحلة المراهقة وينعتون الشباب فيها بالتهور ثم يتحدثون عن أن هذا التهور طبيعي لأنه من سمات هذه المرحلة ونتائجها الأساسية، بينما أرى أنا أنه لا وجود أبداً لهذه المرحلة وإنما ما يفعله الشاب من أفعال في هذه السنوات هو نتيجة طبيعية للكبت الذي مر به طيلة طفولته وللسلبيات التي مر بها في الطفولة.

فهذا الشاب مثلاً الذي يتمرد على الأهل أو يُعارضهم بإستمرار إنما يفعل ذلك لأنه يشعر بأنه لم يكن له رأي وكان مسير طيلة طفولته وبمجرد ما أن وجد فرصة للحرية وللشعور بالإختيار الحر قام بإنتهازها حتى ولو كان فيها ضرراً عليه أو كانت أفعاله فيها تناقض مع ما تربى عليه من مبادئ، بمعنى أنه لم يختر هذه الأفعال الخاطئة لأنه يمر بمرحله قهرية تنشط فيها هرمونات مختلفة، ولم يختر هذه الأفعال الخاطئة لأنه يحب فعلها ويريد فعلها بجدية، وإنما أختارها لأنه رأى فيها معارضة واضحة للأهل الذين يرى أنهم يتحكمون فيه، ولذلك فعل هذه الأفعال الممنوعة عليه منهم بالنسبة له كانت أقصى تعبير ممكن عن الحرية والإختيار الذاتي، ولذلك يختار فعلها حتى ولو لم يكن يحبها، لذلك لا نجد جميع شبابنا يمرون بهذه المرحلة بنفس الشكل وإنما كل منهم يمر بها وفق طريقة التربية التي تربى بها

فبناءاً على ذلك لا أرى أبداً أن هناك مرحلة إسمها مرحلة المراهقة، إنما هناك نتائج طبيعية للتربية السلبية التي نربي بها أبنائنا، وللكبت السلبي الذي يتعرضون له، وهو ما يتحول إلى عندهم لرغبة شديدة في الشعور بالحرية والخروج من هذا القفص الذي يشعرون أنهم سُجنوا فيه، ولكننا عندما رأينا أن هذه الأفعال تنتشر في المجتمع بشكل كبير جداً ثم يعود الشاب لرشده في العشرينات نعتناها بفترة المراهقة وظننا أنها فترة طبيعية يجب أن يمر بها الشاب بينما الأمر ليس كذلك


صحيح أن التربية القاسية أو الكبت قد يزيدان التمرد عند بعض الشباب، لكن هذا لا ينفي وجود مرحلة المراهقة نفسها. فالتغيرات النفسية والجسدية والرغبة في الاستقلال وتكوين الهوية تظهر حتى عند من نشؤوا في أسر متوازنة وداعمة، وإن كانت تأخذ أشكالًا أقل حدة.

كما أن وجود شباب لا يتمردون كثيرًا لا يعني أن المرحلة غير موجودة، تمامًا كما أن اختلاف أعراض المرض لا ينفي وجوده. ربما التربية تحدد كيف يعيش الشاب المراهقة، لكنها لا تفسر وحدها وجودها. لذلك قد يكون الأدق القول إن سوء التربية يزيد من اضطرابات المراهقة ويضخمها، لا أنه السبب الوحيد لكل ما يحدث فيها.

كان الشباب ينضجون في الماضي في سن ال13 وال14 ويتزوجون بل وينجبون، ومنهم من كان ينضم للجيش في سن قريب لهذا بل وهناك من قادوا المعارك في سن ال18، المراهقة لا وجود لها أبداً، أما رغبة الشاب في الإستقلال وتكوين الهوية فهو شئ مهم جداً واسمه البلوغ لا المراهقة، والبلوغ لا يعني أبداً أن ينفلت الشاب أو يٌقدم على تصرفات غير محببة، وإنما هو يُقدم عليها لأنه وجد إستقلاله وهويته مسلوبان منه! وهذا السلب لهويته وإستقلاله يجبرونه على إتخاذ هذه القرارات الطائشه، وهذا طبيعي، نعم صحيح تأخذ أشكالاً أقل حدة عند الأسر المتوازنه لكن هذا لأن توازنهم ودعمهم لم يكن بالشكل الصحيح أيضاً ولذلك نتجت عند أبنائهم هذه المرحلة السلبية لكن بشكل أقل حدة وأقل خطراً من غيرهم

لكن هذا لا يلغي أن مرحلة الانتقال بين الطفولة والرشد لها خصائص نفسية وجسدية تظهر بشكل واضح عبر الثقافات، حتى لو اختلف اسمها أو شكلها. الفكرة ليست في الاسم بقدر ما هي في وجود تغيّرات في الهوية، والانفعالات، ونمو الاستقلال التدريجي.

السلوك المندفع لا يرتبط بسلب الهوية أو سوء التربية فيه تبسيط زائد. فحتى في البيئات المتوازنة يظهر عند المراهقين نوع من التجربة والاختبار للحدود، ليس بالضرورة تمردًا أو رد فعل على قمع، بل جزء من عملية بناء الشخصية نفسها.

هذا كلام يغض الطرف عن الواقع وعلم الأعصاب، فالقدرة على الجماع أو التلويح بالسيف لا يستغرقان من أحد قدرة إدراكية تذكر ثم إن الدماغ بالمراهقة يمر بجملة من التغيرات العصبية التي تتجسد بتفرع التشبكات العصبية من المحاور وتأخر الساعة البيولوجية للإنسان لفصله عن نظام نوم جماعته فيبدأ بالاستقلال شيئًا فشيئًا والنظر إلى بعد الأشخاص والاستنتاج أن هذه المرحلة غير حقيقية استنتاج لا يصلح وفقًا للمنهجية العلمية ولا يعني شيئًا.