في زاوية من زوايا السوق، جلس تاجر حكيم يبيع أواني فخارية، فمر به رجل غاضب يبحث عن مشكلة، ودفع بيده وعاءً ثميناً فسقط على الأرض وتحطم.وقف الناس يرقبون رد فعل الحكيم وتوقعوا منه صراخاً وغضباً. لكن التاجر نظر إلى القطع المكسورة بهدوء، ثم التفت إلى الرجل وقال له بابتسامة: "شكراً لك".صعق الرجل وصاح مستنكراً: "أكسر وعاءك الثمين وتشكرني؟! أتهزأ بي؟!"أجابه الحكيم برزانة: "لا والله، ولكنك علمتني في ثانية واحدة أن الفخار المكسور لا يمكن إعادته بالصراخ، وأن الحفاظ على هدوء نفسي أثمن بكثير من وعاء طيني يمكنني صنعه مجدداً.. لقد كسرْتَ فخاراً، لكنك لم تكسر سلامي الداخلي".انصرف الرجل خجلاً، وتعلم الجميع أن مواجهة حماقات الآخرين بالهدوء هي القوة الحقيقية.
سؤال للنقاش: كم مرة سمحنا لمواقف عابرة أو أشخاص غاضبين أن يفسدوا يومنا؟ كيف تتعاملون مع المواقف الاستفزازية في حياتكم اليومية؟
لكن ما انكسر لا يمكن تصليحه بسهولة، وقد يتكلف وقتًا وجهدًا ومالًا، بالإضافة لكل الوقت والجهد والمال الذي تم بذله في المرة الأولى، بل قد لا يتصلح الشيء أبدًا، وقد يدفع التسامح غيره لفعل نفس الشيء، فلماذا أسمح لشخص بأن يجعلني أخسر كل ذلك وأجلس أنا مبتسمًا وأحاول الحفاظ على سلامي النفسي؟ حسنًا... سأحافظ على سلامي النفسي بجعله يدفع ثمن ما كسر وربما مع تعويض أيضًا، ثم أحافظ على سلامي النفسي بعدها.
فكرة سلامي النفسي يتحقق فقط إذا دفعتُ الثمن كاملًا قد ينقلك من محاولة الإصلاح إلى دائرة استنزاف مستمر، لأن التركيز يصبح على ردّ الفعل أكثر من حل المشكلة نفسها.
لان التسامح لا يعني إلغاء الحقوق أو قبول الضرر، بل يمكن أن يكون مع وجود حدود واضحة ومطالبة عادلة بالإنصاف دون تصعيد أو رغبة في الإيذاء. أحيانًا أقوى أشكال استعادة السلام النفسي ليست في جعل الآخر يدفع الثمن، بل في تقليل حجم تأثير الموقف عليك أصلًا، بحيث لا يتحول الخطأ إلى عبء طويل الأمد يستهلكك أكثر مما يستحق.
لو قمنا بأخذ حقنا وقتها فقد ينتهي الموقف بالنسبة لنا، أما إذا تركنا الأمر يمر دون رد فعل قوي، فقد نظل نفكر فيه لوقت طويل ويتحول إلى عبء فعلًا.
في قصتنا، الحكيم لم يقل إنه لن يطالب بحقه، بل قرر ألا يسمح لفعل الغير أن يسرق راحته أو يدفعه ليكون مثله في الانفعال. وكما ذكرت تماماً: القوة الحقيقية هي ألا نجعل الموقف يستنزف طاقتنا ووقتنا أكثر مما يستحق، مع الحفاظ في نفس الوقت على حدودنا ومطالبتنا بالإنصاف بطرق هادئة ورصينة. فالهدف ليس "جعل الآخر يدفع الثمن" على حساب سلامنا، بل أن نكون نحن المتحكمين في رد فعلنا، لا أن يتحكم هو في حالتنا النفسية.
"أتفهم وجهة نظركِ تماماً وهي منطقية جداً في الحالات العادية 🤍.
ولكن في هذه القصة تحديداً، الأمر كان مختلفاً.. فهذا الرجل لم يكسر الإناء عن طريق الخطأ، ولا حتى لمجرد أنه يريد الحصول على شيء أو خسارته، بل جاء متعمداً وغاضباً ويبحث عن مشكلة ويستقوي، وهدفه الوحيد هو إثارة غضب التاجر وجعله ينفجر أمام الناس ليشعر هو بأنه المنتصر والأقوى.
هنا كانت المعركة نفسية بحتة، ولو غضب التاجر أو رد عليه، لكان هذا بالضبط ما أراده خصمه ونجح في تحقيقه. أما بهدوئه وابتسامته، فقد سلبه سلاحه وحرمه من انتصاره الوهمي، وجعله يبدو صغيراً وتافهاً أمام الجميع.
فالحكيم هنا لم يتنازل عن حق أو يهدر مالاً، بل كان يدرك أن كرامته وهيبة نفسه هي أغلى وأثمن من أي شيء، ولا يمكن لأحد أن يكسرها مهما فعل. شكراً لكِ على مشاركتنا رأيكِ القيم، وأسعدني جداً النقاش معكِ ."
التعليقات