في إحدى الصور المتداولة على مواقع التواصل، دار حوار ساخر بين شاب وفتاة. سألها عن تخصّصها الجامعي، فأجابته أنها تدرس الطب البيطري، فسارع إلى إطلاق نكتة مستهلكة مفادها أنها ستكون "دكتورة للبهائم". لكن الرد جاء أسرع وأقسى: "بالضبط، لما تشتكي من حاجة كلمني."

ضحك الناس، وانتشر التعليق، واعتبره كثيرون مثالًا على "الرد الناري" الذي يضع المتنمّر في حجمه الحقيقي. لكن خلف الضحكة يختبئ سؤال أعمق: هل الرد القاسي على المتنمّر هو دائمًا الخيار الأفضل؟ أم أن الترفع عن الجاهل أكثر حكمة؟

في الحقيقة، المتنمّر يعيش غالبًا على شيء واحد: ردّة الفعل. هو لا يبحث عن الحقيقة ولا عن النقاش، بل عن متعة استفزاز الآخرين. لذلك فإن تجاهله أحيانًا يشبه حرمان النار من الوقود. لا معركة، لا ضجيج، لا انتصار وهمي.

لكن في المقابل، ليس كل صمت فضيلة. فهناك مواقف يصبح فيها السكوت نوعًا من الإقرار الضمني أو تشجيعًا للمسيء على الاستمرار. وهنا يأتي الرد الذكي؛ لا الرد الوقح، ولا الشتيمة المضادة، بل الجملة المختصرة التي تكشف سخافة الكلام وتعيد الكرة إلى ملعب صاحبها.

الفرق كبير بين من يرد ليحفظ كرامته، ومن يرد لينتقم. الأول يضع حدًا للتجاوز، والثاني يدخل في مباراة لا تنتهي من تبادل الإهانات.

ولعل المشكلة أن كثيرًا من الناس يظنون أن الانتصار في الحوار يكون بإسكات الخصم. بينما الحقيقة أن أعظم الانتصارات أحيانًا هي ألا تنزل أصلًا إلى مستوى المعركة. فليس كل سهم يستحق أن تلتقطه، وليس كل نباح يستحق أن ترد عليه.

لهذا يمكن القول إن الحكمة ليست في اختيار الصمت دائمًا، ولا في اختيار الرد دائمًا، بل في معرفة متى تستخدم كل واحد منهما.

فإذا كان الرد سيوقف المتنمّر عند حدّه ويكشف تفاهة ما يقول، فهو رد مشروع وذكي.

أما إذا كان سيحوّل الأمر إلى سجال طويل لا يخرج منه أحد رابحًا، فالصمت هنا ليس ضعفًا، بل نوع من الترفّع.

وفي النهاية، ليس السؤال: هل أستطيع أن أرد؟

بل السؤال الأهم: هل يستحق الأمر أصلًا أن أرد؟

ذلك أن بعض المعارك لا يُقاس الفوز فيها بما تقوله، بل بما اخترت ألا تقوله.