منذ فترة قريبة مرض أحد أفراد العائلة وذهب للمشفى، حينها لم أستطع أن أركز في أي شيء يخص العمل أو الدراسة وتجاهلت كل شيء، ولكن عاتبني الكثير من الأشخاص على هذا الأمر. بالنسبة لي العائلة أهم من أي شيء آخر وتكون الأولوية قبل أي شيء آخر، وحين يكون هناك قرار بين العائلة أو الدراسة أو العمل دائمًا ما يكون اختياري العائلة حتى إن كان ذلك سيؤثر على الأشياء الأخرى، ولكن ما يجعلني أستغرب فعلًا هو أنه هناك الكثير من الأشخاص الآخرين الذين لا يفكرون بنفس الشكل ولا يعطون الأولوية للعائلة في حين انهم يحبون عائلاتهم بشكل كبير. قد رأيت ذلك مع أحد أصدقائي حيث كانت والدته في المشفى ولكنه لم يذهب لها لأن جامعته في محافظة أخرى ولديه إمتحانات، ولكن ما جعلني أستغرب في الأمر أن إمتحاناته كان لايزال عليها عشرة أيام، في حني أنه كان دائم التوتر والإتصال بهم للإطمئنان فلم يكن مهمل ولكن في المقابل لم يضحى بيوم من وقته ليذهب لها. بالنسبة للكثير من الأشخاص هذا التصرف طبيعي ويرون أن القيام بغير ذلك يعد مبالغة، ولكن بالنسبة لي التواجد مع العائلة يكون أهم من أي شيء آخر وفي موقف كهذا ستكون أولويتي هي التواجد مع والدتي حتى وإن كان لدي إمتحان في نفس اليوم أو بعدها بيوم.
لماذا يرى بعض الناس أن الدراسة والعمل أهم من العائلة
حسناً عندما فكرت في الأمر وجدت أنني أيضاً لدي نفس المشكلة التي تُعبرين عنها، حسناً أمي وأختي إستثناء فهم وحدهم من قد أتنازل عن أي شئ من أجلهم، لكن باقي العائلة أو حتى الأصدقاء لا أجد نفسي ملزوزاً لترك عملي من أجلهم، قد أحزن أو أهتم لكنني لن أتنازل عن وقتي لهم، وهذه ربما ليست قسوة ولكن لا أدري ربما لأنني تربيت أسافر بين المحافظات وأعتاد الغربة وعدم الزيارة لهم لفترات طويلة فلم أعد مهتماً بالقدر الكافي؟ لا أدري لكنني أجد أن الحياة تستمر في كل الأحول، وفي كل الأحوال سنمرض ونشفى ونموت ونحيا، ومن أراد الزواج سيتزوج ومن رزقه الله سيُنجب، لذا فإن كانت الحياة تسير في كل الأحوال فما الداعي لحضوري كل المناسبات أو الأحداث؟ هل حضوري سيؤثر على مسار الحدث؟ لا أعتقد ذلك، لذا لماذا قد أتنازل عن شئ أخر مؤثر من أجل الحضور في حدث لا تأثير لحضوري فيه؟
اتفق أن الأصدقاء والعائلة غير المقربين ليس علينا تأجيل أعمالنا لأجلهم، ولكن ما اتحدث عنه هو مناسبات الأشخاص المقربين منا، فقد رأيت شخصًا مثلًا لا يحضر خطوبة اخته لأنه كان في الجامعة، وصديقتي لم تحضر ولادة ابن اخوها لنفس السبب، وغيرها من المواقف التي تتدرج من الصغيرة الغير مهمة للكبيرة المهمة للغاية كمرض او غيره. ففكرة عدم ايقاف عملنا لأجل غير المقربين منطقية للغاية وأظن أن الجميع متفقين عليها، ولكن عدم إيقاف عملنا لأجل الأشخاص المقربين منا في رأيي أمر يحتاج لإعادة التفكير، فانا لا اتفهم الأشخاص الذين يختارون عملهم على عائلتهم، وأرى أنهم لم يفهموا الحياة بشكل صحيح.
لكن ألعلاقات الإنسانية تقاس فقط بمدى تأثيرنا على النتائج النهائية
أنت لا تزور مريضا لتغير نتيجة مرضه. أنت تزوره ليقرأ في عينيك أنك لم تتركه وحده. تزوره ليشعر أن هناك من يشاركه لحظة ضعفه. هذه المشاعر لا تغير مسار المرض، لكنها تغير مسار العلاقات، ومسار روحك أنت.
أما "الحياة تستمر في كل الأحوال"، فهي حقيقة. لكن أي نوع من الحياة تختار أن تعيشها حياة تمر كالأحداث، أم حياة تصنع بالحضور والغياب
شخص غائب دائما، حتى في الشدائد، سيجد نفسه يوما وحيدا. لأنه بنى علاقات على البعد.
الحضور ليس فقط من أجل "التأثير على الحدث". الحضور هو رسالة: "أنت مهم، وأنا هنا من أجلك". هذه الرسالة لا ترسل بالمكالمات وحدها.
الحقيقة ليس "هل حضوري سيغير شيئا؟"، بل "أي إنسان أريد أن أكون عندما أكبر"
حسناً نصيحتك جيدة وكلامك صحيح، لكن كيف أدفع نفسي لفعل ذلك بينما أجدها لا تهتم بذلك، أجد في نفسي نفوراً من التقرب من الأخرين خصوصاً أنني كنت وحيداً في جميع لحظات ضعفي، ولذلك أجد في نفسي عدم إكتراث بمناسباتهم أو حوائجهم لأنني لم أعد أشعر بأهميتهم في حياتي أو حتى بقربي منهم
أن تكون وحيدا في لحظات ضعفك، ثم يأتي الآخرون ليطلبوا وجودك، هذا مؤلم. لكن اتتجنب الاقتراب لأنك لا تهتم، أم لأنك تخاف أن تهتم ثم تخذل
أنت تتذكر الوحدة، وهذا يعني أنها ما زالت تؤلمك. البرود قد يكون درعا
العلاقات ليست مبنية على العدالة المباشرة. "لم يكونوا معي، لذلك لن أكون معهم" قد تكون عادلة، لكنها قاسية وتجعلك وحيدا. أنت تعرف اثر الوحدة، لما تمنحها للآخرين
لست أدعوك للتخلي عن حذرك، لكن اترك بابا صغيرا مفتوحا. جرب مرة واحدة: زر مريضا، احضر مناسبة. لا تفعلها من أجلهم فقط، بل لتختبر: هل سيزول النفور؟ ام لا
الجدار الذي بنيته يمنع الأذى، لكنه يمنع أيضا الدفء. هل أنت مستعد لتحمل بعض الألم مقابل بعض التواصل، أم تفضل السلامة الباردة
مبدأيا قيمة حضور الإنسان في حياة الآخرين لا تُقاس دائمًا بتأثيره المباشر في الحدث أو تغيير مساره، بل أحيانًا تكون في المعنى العاطفي والرمزي لوجوده. فالمناسبات الاجتماعية هي مساحة لتقوية الروابط وإظهار الاهتمام، حتى لو لم يكن لذلك أثر عملي واضح في لحظته.
والتعود على فكرة أن الحياة تستمر في كل الأحوال يؤدي الي تقليل أهمية العلاقات بشكل غير مقصود، وشئنا ام ابينا فالعلاقات هي التي تمنح الحياة معناها الإنساني في النهاية. فليس الهدف أن يكون الحضور دائمًا مؤثرًا على مجرى الأحداث، بل أن يكون حاضرًا في ذاكرة الآخرين وفي بناء روابط لا تُقاس بالمنفعة المباشرة فقط، بل بالشعور بالانتماء والدعم المتبادل.
التعليقات