هل الشغل أهم من الراحة النفسية ولا العكس؟
كان أول عمل لي في شركة ناشئة، وكان المدير معجبًا بجهدي ومحاولاتي للنهوض بالمكان، ولكن عند الخطأ كان يرفع صوته عليا حتى لو كان السبب هو نقص الخبرة أو الجهل بأمر ما. وكلما حاولت تطوير نفسي وترك بصمتي، زاد ضغطه عليّ لأنه رأى في اجتهادي حقاً مكتسباً، فحملني مهام ومسؤوليات أكثر مما أصابني بالاحتراق الوظيفي.
فكرتُ في الاستقالة، لكن أغلب من حولي عارضوني لأن العائد المادي كان جيداً بالنسبة لسني، والبعض اعتبر الأمر دلع بحجة أن العمل يتطلب تحمل الصوت العالي وأن هذا هو الطبيعي. حاولت الاستمرار مراراً حتى استنفدت طاقتي، فاخترت ما تبقى من راحتي النفسية وتركت العمل بدون بديل حينها، واثقة في قدراتي وفي أن الرزق بيد الله.
بعد مرور الوقت، أستطيع القول إنني لم أندم قط؛ فقد وجدت فرصاً أفضل بكثير، يسودها التقدير والتقبل للخطأ بدون إهانة، وأيقنت أن راحتي النفسية هي أولويتي الأولى قبل العمل والمال.
أحسنتِ الاختيار، لأن كثيرًا من الناس لا يدركون أن الاحتراق النفسي لا يقل خطورة عن الفشل المادي، بل قد يدمر الإنسان ببطء وهو يظن أنه فقط “يتحمل”. ليس كل صوت عالٍ حزمًا، ولا كل ضغط بيئة صحية للتطور، فهناك فرق بين العمل الذي يبني الإنسان، والعمل الذي يستهلكه حتى يفقد نفسه.وأرى أن المشكلة الحقيقية تكمن في اعتياد البعض على تبرير الإهانة باسم الخبرة أو الرزق، حتى أصبح طلب الاحترام في بيئة العمل يُوصف بالدلال، مع أنه من أبسط الحقوق الإنسانية.
ومن الجميل أنكِ لم تجعلي الخوف من المجهول يدفعكِ للبقاء في مكان يستنزفكِ، لأن الإنسان قد يعوض المال والفرص، لكن استعادة نفسه بعد الانهيار النفسي تكون أصعب بكثير.
التعليقات