ثمّة معارك يَحسُن أن تُخاض, وثمّة أخرى يُكرم فيها المرء إن تركها ,

الاستسلام أن تُلقي سلاحك قبل أن يختبرَ صلابته, أن تَعدِل عن المحاولة لأن الطريق أوعر مما توقّعت. أما الانسحاب, فصنيعة عقلٍ تَأمّل وفهم, وأدرك أن المضيّ أحيانًا لا يزيده إلا تيهًا. الانسحاب وعيُ الحكيم, الذي يفرّ من الضجيج إلى صمته, ومن الخصومة إلى سلامه, ومن الناس إلى الله ,

إن النضج لا يُقاس بقدرتك على الثبات في ساحةٍ تُنهكك,بل بقدرتك على أن ترى متى تتحوّل المعركة إلى عبثٍ لا يزيدك إلا خُسرانًا.

كم من بقاءٍ ظنّه الناس ثباتًا,وكان تعلّقًا فارغًا,وكم من انسحابٍ حسبوه هروبًا, وكان في جوهره نجاتك من هاويةٍ لا قرار لها ,

انسحب حين تشعر أن معركتك لم تَعُد تُبقي من نفسك شيئًا, حين يُصبح صوت الصخب أعلى من صوتك الداخلي,حين تُدرك أن سلامك أغلى من أي انتصارٍ يُصفّق له الناس ,

فليس العاقل من يُمسك بيده كلَّ خيط,

بل من يعرف متى يُفلت ما يجرّه إلى الهاوية ,

وانظر كيف يدعوك الله إلى السكون لا إلى الصراع: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، وكأنّ السلام هو المقام الأخير, والملاذ الأبقى, والغاية التي لا بعدها غاية ,

فاختر سلامك..فثمّ وجه الله!.