10

لماذا بيت العائلة مهم لهذه الدرجة؟

في أول وظيفة لي في المطاعم كنت لم أكمل ال16 من عمري بعد، وكان عملي في مطعم راقي جداً في أرقى أحياء الإسكندرية، وفي يوم ذهبت لشراء بعض الأشياء ودخلت من شوارع جانبية فدخلت شوارع يسكنها طبقة من أدنى الطبقات المادية في المجتمع! فأندهشت ووقفت منبهراً كمن خرج من يوتوبيا عن طريق الخطأ ووجد نفسه في ممر الفئران، كيف هذه الناس هنا تعيش بجانب هذا البذخ في هذه المنطقة الحيوية جداً؟

ثم زاد إندهاشي عندما عرفت أسعار الشقق والأراضي في المنطقة، يمكن لهؤلاء الناس أن يبيعوا منازلهم ويستبدلوا الشقة الواحدة ب6 شقق ربما أكبر منها في المساحة! لكن في مناطق أخرى تناسب طبقتهم، لكنهم لا يفعلون ذلك ويختارون الإستمرار في فقرهم بدلاً من بيع منازلهم التي يستطيعون بسعرها أن يستبدلوا حياتهم تماماً، عندما وصفت هذا الإندهاش لزملائي في المطعم بعد العودة ضحكوا وقالوا ببساطة أن هذه منازلهم ومنازل أجدادهم فلماذا يتركونها من أجل رخاء العيش؟ قالوا هذا المبرر بثقة وكأنه منطقي!

لا أرى هذا المبرر منطقي أبداً فلماذا يختار البعض التمسك بمنزل عائلته رغم أنه بمجرد إستبداله سيعيش في مستوى مادي أعلى ويحسن من جودة حياة أولاده وتعليمهم؟ للتمسك ببعض الذكريات؟ الذكريات في كل الأحوال ستبقى في عقولنا ولن تعاد من جديد إن تمسكنا بالجدران التي كانت فيها


وجهة نظرك منطقية من زاوية الحسابات الحياة ليست أرقام فقط ما تراه أنت فرصة مادية قد يراه غيرك جذور لا تُعوّض السؤال الحقيقي برأيي هل تحسين جودة الحياة يُقاس فقط بالمال أم أن القرب من الأهل والهوية والشعور بالانتماء أشياء لا يمكن شراؤها حتى لو امتلكت 6 شقق أحيانًا الناس لا تختار الفقر بل تختار ما تعتبره حياة أغنى بطريقتها

حسناً هذا القرب من الأهل لا نشعر بغيابه عندما نتزوج في شقق بعيدة نسبياً عن الأهل، لن يتغير حالنا كثيراً عندما ننتقل مع الأهل لمكان أخر أو حتى ننتقل بعيداً عن الأهل نسبياً، إن كان الأمر مؤثر لهذه الدرجة يمكننا بنسبة من الفارق أن نشتري سيارة ونزور الأهل بإستمرار، مستقبل أولادنا وحياتهم وتعليمهم أهم من هذه الذكريات التي نتمسك بها من الماضي ولا تنفعنا

ولكن الفرق أنه إن تزوج الشخص فبيت أهله سيظل موجودًا وسيظل يزوره متى شاء، ولكن إن قرر بيع بيت العائلة فلن يستطيع دخوله مرة أخرى وسيكون الأمر كضيا الكثير من الذكريات، أنا شخصيًا أعيش في مدينة مختلفة ولكن دائمًا ما أشعر بالراحة في كل مرة أعود بها للمنزل وأشعر أنه لا يوجد أي مكان آخر يعبر عن شعور المنزل او الراحة غيره، والذكريات الموجودة فيه لا يمكن تعويضها في أي مكان آخر، لذلك لا يمكنني التفكير في بيع المنزل وفكرة أنه قد يأتي أشخاص آخرون ليعيشوا فيه ويمسحوا كل ذكرياتنا الموجودة فيه