إنّ أخطر ما يهدد بنيان مجتمعنا اليوم هو الانزلاق نحو "تقديس الأشخاص" والثناء المفرط عليهم بمعزلٍ عن حقيقة أدوارهم؛ سواء كانوا مثقفين، أو علماء دين، أو أكاديميين، أو سياسيين. وإذا أردنا اختزال هذه المجالات في مفهوم واحد، فسيكون "المعرفة". بيد أنّ إدراكنا لهذا المفهوم أصابه التشويه؛ فالمعرفة في جوهرها وسيلةٌ للإصلاح وليست غايةً في حد ذاتها، لكنّ تغلغل الفهم المغلوط جعل الناس يتعاملون معها كهدف نهائي، مما أفقدها روحها وتأثيرها الفعلي في النهوض بالواقع.

إنّ معركة الإصلاح المجتمعي قضية شائكة تتطلب، أولاً وقبل كل شيء، التخلص من الأفكار المسمومة وتفكيك الأسئلة المعقدة التي تؤرق الوعي الجمعي. وهنا تبرز مسؤولية "أصحاب المعرفة" بوصفهم القبلة التي يتجه إليها الناس بحثاً عن الإجابات. وفي هذا السياق، يمكننا تقسيم هذه النخب إلى فئتين: فئة نافعة تسعى للتغيير، وفئة باتت عبئاً ثقيلاً على كاهل المجتمع.

يتحول المثقف أو السياسي إلى عبء حين يحصر معرفته في إطار الترف الفكري، أو حين ينتهج سياسة "الاستيراد العشوائي" للقيم. فمن المؤسف أن نرى مثقفاً يتبنى حلولاً معلبة (أمريكية أو فرنسية أو غيرها) لمشكلات نابعة من بيئتنا الخاصة، دون مراعاة لاختلاف الظروف والسياقات. وللأسف، تمدد هذا الاستلاب ليصل إلى المناهج الجامعية وأنظمة الحكم، التي أصبحت في كثير من جوانبها نسخاً كربونية مستوردة من الغرب.

أما الرسالة الجوهرية التي يجب أن نعيها، فهي أن الثناء المطلق والقبول الأعمى لكل ما يصدر عن هؤلاء "الرموز" هو حكمٌ اختياري بالتبعية؛ حيث يسلب الإنسان فكره ويتحول تدريجياً إلى كائن مُساق. ولعل أكبر دليل على هذا الواقع هو تجريد الإنسان البسيط —الذي لا يملك منصباً أو منبراً— من شرعيته في التعبير، مقابل منح نفوذ مطلق للنخب على عقول الجماهير.

إنّ استمرار هذا النهج يحولنا إلى "روبوتات" تُبرمج عقولها بإرادة غيرها، خاصة وأن الكثير من هؤلاء لا يتجاوز دورهم كونه "جسراً" ينقل ما في الكتب إلى الناس دون إبداع أو نقد. إنّ حاجتنا إليهم لا ينبغي أن تتجاوز حاجتنا للكتاب ما داموا مجرد ناقلين، بينما الواجب يحتم عليهم المساهمة الفعالة في التغيير. وإذا عجزوا عن ذلك، فعلى المجتمع أن يسترد تلك الشرعية التي منحهم إياها بجهل، ليعيد الاعتبار للعقل والوعي المستقل.

Mohammad✍️