الأمل في صندوق باندورا

هل تعرف ما هو صندوق باندورا ؟

صندوق باندورا -وهو في الأصل جرّة- أعطاها رب أرباب الاغريق زيوس -والعياذ بالله- لبندورا أول إمرأة بشرية في الأساطير اليونانية، وأمرها ألا تفتحها. ولكن باندورا فتحتها بعد أن وهبتها الآلهة هيرا -زوجة زيوس- هبة “الفضول”.

كانت تحتوي الجرة على كل شرور وأمراض العالم!

يقبع أسفل الجرة نور “الأمل”. اختلفت التفسيرات فيها، حيث قالوا أن “زيوس” أراد أن يستخدمها الإنسان كأداة للتغلب على الشر. ولكن هنالك تفسير آخر! وهو أن الجرة في الأساس ماهي إلا عقاب للانسان و”الأمل” هو أسوأها، حيث أنه يطيل معاناة الإنسان الذي مصيره في النهاية هو الموت!

هنا مربط الفرس! ماهو “الأمل” ؟ هل هو فعلا معاناه للبشرية؟

عموما لا أتكلم عن حسن الظن بالله، ولا الإيجابية المحمودة والتفاؤل؛ بل طول الأمل والتمسك بشيء قد يكون مؤذي لك لمدة طويلة لمجرد الأمل بأنه سيتحقق مرادك يومًا ما.

طول الأمل -في نظري- ماهو إلا نوع من “الإيجابية السامة” (Toxic Positivey) و “التعلّق” (Attachment) بشيء ما قد يكون مؤذي لك.

كأن يطول الأمل بعلاقة مفترض أن تنهيها.

والمحاولة في إكمال الدراسة في تخصص لا يناسبك من الأساس.

أو محاولة الاستمرار في الترقي في وظيفة لا تعجبك.

في مرات كثيرة يكون “الاستسلام” هو الحل الأمثل!

عندما تمد يدك لشخصٍ ما يفْتَأ أن يرخي يده كلّما حاولت إصلاح علاقتك به، فالحل الأمثل هو المضي قدما بدونها. أنا لا أشجع على قطع العلاقات، أنا مع المحاولة أكثر من مرة لإصلاح علاقتك، لكن أن تجعل لها حدًا لا يقتل من روحك ويدمر نفسك، هنا أرخاء يدك محمود.

عندما تكون في وظيفة لا تناسبك، لا أقول أن تستقيل، ولكن يمكن أن تجعلها مصدر للكسب، وخارج العمل مارس هوايتك وأنشطتك المفضلة، أو استثمرها في مشروع عمل آخر.

بعض الوظائف التدرج المهني فيها هو نوع من الإدمان النفسي، ليس بدافع الشغف، بل لشعورهم أن الاستقرار هو نوع من “الفشل!”. يكمل الدراسة ويتدرج مهنيا كأن القيمة في الحياة هي فيما هو آتٍ. أسعد أحيانًا عندما يقول شخص ما بثقة أنا لا أريد .. أنا سأتوقف “هنا!”.

التطلع للأفضل هو أمر صحي، ولكن إذا أصبح مشوهًا ويفقد فيها أمانه النفسي، وسلامه الداخلي، فهنا تكمن المشكلة. حيث يصبح طول الأمل هنا أرق مستدام و ألم داخلي.

والقناعة لا تعني موت الشغف، بل نوع من المنظور الايجابي والتخلي عن ماهو غير مناسب لتفسح المجال لما هو مناسب “ففي التخلي تجلّي”.

الأمل في هذه الأمور فيها نوع من “التعلق” و “الاحتراق” الذي يجعلك غير سعيد في حياتك، والنظر للأعلى لا بدافع الشغف بقدر عدم الرضى بما لديك.

وفي ديننا الحنيف أيضًا محاذير عن طول الأمل في الدنيا، فعن علي رضي الله عنه: "إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة".

*طول الأمل هنا هو انشغال القلب بالدنيا وتمني البقاء فيها وتأخير التوبة والعمل الصالح، فهو مذموم لكونه ينسي الآخرة ويدفع للكسل*مقتبس بتصرف*.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

المشكلة الحقيقية أن البعض يمضي بأمله من عدمه بدون معطيات فقط لأنه يشعر بذلك، في بعض الأمثلة التي ذكرتها، مثل العلاقات أو التخصص أو الوظيفة، المشكلة ليست في الأمل، بل في غياب معايير واضحة للاستمرار أو التوقف. فمن المفترض أن الاستمرار لا يكون فقط لأن ربما يتغير شيء، بل لأن هناك مؤشرات حقيقية على التحسن. حتى التوقف لا يكون استسلامًا، بل قرار بوقف شيء لا جدوى منه علاقة تستنزفني، أو جهد أبذله في عمل دون فائدة أو جدوى وأظل مكاني طوال الوقت، لابد أن أقف وأفكر وأقيم لأعرف كيف استثمر جهودي بطريقة صحيحة.

المشكلة ليست في الأمل، بل في غياب معايير واضحة للاستمرار أو التوقف. فمن المفترض أن الاستمرار لا يكون فقط لأن ربما يتغير شيء، بل لأن هناك مؤشرات حقيقية على التحسن.

فعلًا بدون مؤشرات على التحسن، وبدون معايير واضحة، الأمل هنا مجرد انتظار بلا جدوى

تذكرت قصة الحارس الذي مات بسبب أمله حين كان يقف للحراسة أمام قصر الملك في البرد القارس، التفت الملك إليه وقال له كيف تتحمل في هذا البرد سأحضر لك غطاءاً، فتأمل الحارس وظل ينتظر الملك طوال الليل حتى مات متجمداً، فالبرد ليس ما قتله، بل أمله في الغطاء الذي سيحضره الملك، وهو يتخيل الدفء الذي سيشعر به، وكيف سيكون سعيداً، ظل يراقب الوقت وينتظر وينتظر ولكن الملك تناسي تماماً وعده.

هكذا هو حالنا مع أمور كثيرة نرفع سقف توقعاتنا بناءاً على أمل ممن حولنا في لحظات صفا تجد من يوعد وعود ذهبية، ولكنه يتناسي فيما بعد وعوده وكلامه، ونحن نبني أحلاماً وردية إلى أن نصطدم بالواقع.

رفع سقف توقعاته بالحاكم وأمله في القصة لم يقتله، لكنه خدّره ومنعه من التصرّف، وهذا ما قتله.

هو كان يعيش برضا في البرد ويتكيف معه، لم يكن هناك ما يدعو للتصرف، لكن الأمل الذي أعطاه له الملك بإحضار غطاء، فبني أحلامه بالدفء الذي سيشعر به، ومع مرور الوقت أستشعر البرد الذي كان هو متكيف معه من قبل بالفعل، وظل شعور البرد في تزايد كلما طال الانتظار وزاد الأمل حتى مات

 هنالك تفسير آخر! وهو أن الجرة في الأساس ماهي إلا عقاب للانسان و”الأمل” هو أسوأها، حيث أنه يطيل معاناة الإنسان الذي مصيره في النهاية هو الموت

شرير زيوس فعلا !! رغم انه لم يكن اله الشر او العالم السفلي .

لماذا يخترع شعب اسطوره كهذه لاله يعبده ؟!

AnwarYS
  • حذف بواسطة المستخدم
AnwarYS أضف ردا

الأساطير هي ليست دين بالمعنى الذي نعرفه؛ هي انعكاس لنظرة البشر للحياة، ففي ذلك الوقت كانت تنتشر الحروب والأمراض والمآسي، ولأن العالم بذلك القسوة، فلا بد أن يكون الحاكم قاسي.

وعموما فكرة أن الأمل هو أسوأ الشرور لا يتفق كل الأغريق عليه. فالموضوع مأخوذ على منحنيين، أن الأمل هو من يجعل الانسان يستمر رغم قسوة الحياة، لكنه يجعله يتمسك بالحياة رغم الألم، فتطول معاناته.