يُقال إن أخطر أنواع السجون هي تلك التي لا نرى قضبانها، وأعتقد أن الزنزانة التي نؤثثها جميعاً اليوم هي (سجن المثاليات والاستعراضات)،
كم حدث وأن استيقظت يوماً وأنت تمارس دور (الإنسان الناجح، أو المُنجز، أو البخير دائماً) لمجرد أنك لا تملك ترف شرح العكس؟ تلك اللحظة التي تجد فيها نفسك تؤدي أدوارك الاجتماعية ببراعة مدهشة؛ ومكابرة، "الموظف الملتزم، الشخص المثالي، القوي دائماً،" و و الخ ،
في حين تشعر في أعماقك بـ فراغ صامت، أو تعب، أو ملل من تكرار التفاصيل ذاتها، وكأنك تشاهد شريط حياتك من مقعد المتفرجين، لا من مقعد القيادة.
نحن نعيش في عصر يُقدس "الاستعراض، والتلميع" ويحتفي بالنجاحات السريعة، حتى أصبحنا نخشى أو نخاف الاعتراف بالهزائم الصغيرة، أو بالملل القاتل من الروتين،أو بالتفاصيل العادية، أو حتى بحقنا الأصيل في أن نكون "غير منتجين" ولو ليوم واحد. أو لسنا بخير ومثاليين دائماً.
الحقيقة أننا لا نرهق من العمل الشاق بقدر ما نُستنزف من "التظاهر" الدائم بأن كل شيء تحت السيطرة. كل شيء على مايرام، نستهلك كتب تطوير الذات لنغدو نسخاً أفضل، لكننا أحياناً نحولها لسياط نجلد بها أرواحنا لأننا لم نصل بعد لتلك المثالية المعلبة، متناسين أن من حقنا الإنساني أن نكون مكسورين قليلاً، مُتعبين، تائهين حيناً، عاديين، ومن دون خطة واضحة للغد في أحيان،
هذه (المثالية الزائفة)التي تفرضها علينا ثقافة المجتمع الرقمي أو العصري، جعلت من (الصدق مع الذات) عملاً ثورياً. نحن بحاجة لاستعادة حقنا في التعب دون شعور بالذنب، وفي القلق دون أن نوصم بالضعف. ومن الشعور بالحزن دون أن نُصنف مرضى نفسيين،
السلام الحقيقي لا يبدأ من محاولة إرضاء تصورات الآخرين عنا، وإنما من التصالح مع نقصنا واحتياجنا العاطفي الصرف.
أن لاننكر عاديتنا وإنطفائنا أحياناً وعدم قيامنا بأي إنجاز يوم أو يومين او حتى ايام،
سؤالي لكل العابرين فوق هذه السطور، ومن قلبي:
متى كانت آخر مرة قلت فيها "أنا بخير" وأنت تعنيها فعلاً من أعماقك؟
متى آخر مرة ضحكت فيها ضحكة حقيقية نابعة من قلبك،وليس مجاملة للأخرين او كي لايقال عنك بارد ومُعقد؟
متى آخر يوم أو آخر فترة لم تُنجز فيها شيئا؟ ومع ذلك مازلت راضِ عن نفسك دون ان تلوم نفسك؟
وهل تشعر اليوم أنك تقود دفة حياتك بحرية ؟ أم أن "خوفك من الآخرين" هو الذي يمسك بالمقود؟
التعليقات