العطاء قيمة إنسانية نبيلة، لكنه قد ينقلب على صاحبه إذا خرج عن حدوده الطبيعية. فالهِبة التي تبدأ كلفتة جميلة، يمكن أن تتحوّل مع التكرار غير الواعي إلى حقّ متخيَّل، ثم إلى شعور بالاستحقاق، وأخيرًا إلى استياء عند توقّفها. ليست المشكلة في العطاء نفسه، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها، وفي التوقّعات التي تتشكّل حوله دون إعلان أو اتفاق.
العقل البشري يعيد تعريف الأشياء مع الزمن. ما يُستقبل أول مرة بامتنان، يصبح مألوفًا، ثم متوقعًا، ثم واجبًا. الموظف الذي يحصل على مكافأة غير رسمية بعد كل مشروع، سيعتبرها لاحقًا جزءًا من النظام. والعائلة التي تتلقى دعمًا طوعيًا منتظمًا، قد ترى في توقفه خسارة لا انتهاء مبادرة.
العطاء غير المنضبط يربّي التوقّعات، والتوقّعات تخلق الاستحقاق، والاستحقاق يولّد الإحباط عند غياب العطاء. لذلك، فالعطاء الحكيم ليس في كثرته، بل في وعيه: وضوح حدوده، ارتباطه بسبب، وتقديمه دون نمط يجعل الناس يعتادونه.
أعطِ بكرم، لكن بحكمة. وامنح دون أن تزرع في الآخر شعورًا بأن ما تقدّمه حقّ دائم لا هِبة مؤقتة.
التعليقات