​في لحظة ما، حين يلهث الإنسان وراء كل ماهو بعيد عن متناول يده ويومه، ينسى أن قدميه اللتين تحملانه هما المعجزة الأولى. يظن أن العافية في ما سيأتي، في المال الذي لم يكتسبه بعد، في المجد الذي لم يُكتب له، في الشهرة التي لم تُعلن اسمه، في الحلم الذي يسعى إليه.

​ ولنكن أكثر إنصافاً؛ نعم ليس من الخطأ أبدًا أن يخطط الإنسان لمستقبله، و يسعى صوب أحلامه، و يعمل بالأسباب التي توصله لاستقراره وطموحه. هذا سعيٌ مشكور، بل إنه مفروض ومطلوب لتستقيم الحياة.

لكننا نتحدث عن تلك اللحظة التي يتحول فيها السعي إلى "لهثٍ محموم"؛ إلى توتر وقلق دائمين، حين يركض المرء خلف شيءٍ ما متناسيًا ما بين يديه متجاهلا لحظته، معتقدًا أن السعادة والسلام ليسا إلا في ذلك ذاك البعيد، فينسى حاضره، ويسخط على ذاته وواقعه، ويغفل عن كنز اللحظة التي يحياها.

أسأل نفسك: ماذا سيحدث إذا سُلب ما أنت عليه الآن؟

​لو سُلب البصر، لعرفت أن النور لم يكن في الشوارع المضاءة ولا في الشاشات، عينيك هما ما يضيء لك طريق بيتك وعالمك، لو سُلب السمع، لاكتشفت أن السيمفونيات لم تكن في قاعات فيينا، كانت في صوت أمّك حين تناديك، في ضحكة طفلتك،

لو تحجرت عاطفتك وصرت شخصاً مريضاً فاقداً للشغف والشعور، لعرفت أن العاطفة التي لم تكن تنتبه لها، في احتضان ابنك او ابنتك، في ضحكة زوجتك، في دعاء ابيك،في لمة عائلتك، في الرجفة الصغيرة حين تلمس يدًا مُحبة، هذا وغيرها، كانت أعظم من كل قصور الدنيا، وأدفى من أشهر ترندات العالم.

​نحن، أبناء هذا العصر، نمارس غفلة حداثية: نكدّس الأمنيات كما لو كانت أسهماً في بورصة، نبدّل الهوية كما لو كانت قناعًا في مسرح، نركض خلف صعودٍ رقمي كأنه خلاصنا الأخير.

لكن الفيلسوف الهادئ، الإنسان الذي استخلص الحكمة من حياته، يدرك جيداً أن: السعادة ليست فقط في ما تُضيفه، وأنها ما أنت عليه الأن، في ما لم يُسلب منك بعد.

 تخيّل نابوليون في منفاه، لا يحمل سوى جسده المرهق؛ هناك فقط أدرك أن الإمبراطوريات تنهار، لكن القدرة على الوعي بالذات هي المملكة التي لا تُسلب إلا بالموت.

​في السردية الكبرى لهذا الوجود، أنت لست غريبًا. أنت نصّ مكتوب بعناية: أنت أجل وأعظم نعم الله بذاتك بما انت عليه بلا القاب، وفي أعماقك صدى الكلمة الأولى: "كن". فهل يليق بك أن تنشغل عن هذا المعنى العميق بجمع حصى على قارعة الزمن؟

​ماذا سيحدث إذا سُلب ما أنت عليه الآن؟

ستكتشف أن كل ما ظننته نافلة كان هو الأصل.

 أن الامتنان وتقدير اللحظة الراهنة وعيشها بكل تفاصيلها ليس ترفًا روحيًا،وليس عجزاً ولا تكاسلاً ، إنه ضرورة وجودية. أنك حين تقول "الحمد لله"، مقدراً وممتناً لكل ما انت عليه الآن راضياً، فأنت تعلن يقظة: أنا هنا، أنا أملك، أنا ممتلئ،

​الفلسفة ما بعد الحداثية قد تقرأ الإنسان ككائن متشظٍ، هارب من ذاته، لكنه يظل في النهاية محتاجًا إلى يقين بسيط، أنه هو بذاته كافِ، هو بذاته، كنز، وأن ما بين يديه هو كنز، وأن الغفلة عنه هي الفقد الحقيقي.

كثيراً من الناس لا يُقدر قيمه النعم التي كان فيها حتى يفقدها.

​فلتجعل من حياتك سؤالًا واحدًا يتردد كصدى: ماذا سيحدث إذا سُلب ما أنا عليه؟

ولتجعل من جوابه سلوكًا، وامتنانًا، ويقظة لا تنام. عندها فقط، ستدرك أنك ثريًا معنوياً ونفسياً،،،، وكافياً، وأنك تحمل في داخلك عالمًا لا يُقاس بخطوط الطول والعرض، بل يقاس بالوعي الذي يشعرك أنك حيّ الآن.