لا أكتب هذا المقال دعوةً إلى الفصل التام بين الرجال والنساء في أماكن العمل، ولا دفاعًا عن مجتمع منغلق يضع الحواجز بين الناس. فنحن نعيش في واقعٍ مختلف، حيث يجتمع الرجال والنساء في المؤسسات التعليمية والمستشفيات والشركات وغيرها، وهذا أمر بات طبيعيًا في كثير من المجتمعات.

لكن ما يلفت انتباهي أحيانًا ليس الاختلاط بحد ذاته، بل طبيعته وحدوده.

فكم من مرةٍ دخلت إلى مؤسسة تعليمية أو مرفقٍ عام، فسمعت قهقهاتٍ عالية ومزاحًا مبالغًا فيه بين المعلمين والمعلمات، أو بين الممرضين والممرضات، وكأن المكان جلسة أصدقاء لا بيئة عمل يفترض أن يسودها قدر من الوقار والاحترام.

المشكلة هنا ليست في وجود الرجال والنساء في المكان نفسه، بل في غياب آداب الجلوس وحدود التعامل.

فالاختلاط الذي تفرضه الوظيفة قد يكون طبيعيًا وضروريًا، لكن تحويله إلى مساحة مزاحٍ مفرط وأحاديث جانبية طويلة قد يخلق أجواء لا تليق بطبيعة العمل ولا بهيبته، وربما يفتح بابًا لما لا يرغب به أحد.

في مجتمعاتنا، نشأنا على فكرة أن بعض الضوابط الاجتماعية لم توضع لأن الناس سيئون بطبيعتهم، بل لأن الإنسان قد يضعف أحيانًا، ولأن الوقاية دائمًا أسهل من معالجة النتائج.

لهذا لم تكن فكرة تقليل الاختلاط غير الضروري، أو تنظيمه ضمن حدود واضحة، دعوةً للانغلاق بقدر ما كانت محاولة للحفاظ على الاحترام المتبادل بين الجميع.

ليس مطلوبًا أن يتحول مكان العمل إلى مساحة صمتٍ وجمود، لكن في المقابل ليس من اللائق أن يصبح أشبه بجلسة سمر.

بين التشدد الكامل والانفتاح غير المنضبط توجد منطقة وسطى اسمها اللياقة المهنية:

حديث محترم، مزاح خفيف إن وجد، حدود واضحة في التعامل، ووعي بأن المكان أولًا وأخيرًا هو مكان عمل.

ربما لا ينتبه كثيرون لهذه التفاصيل، لكن من عاش طويلًا في المؤسسات يلاحظ أن الأجواء المنضبطة لا تقتل الودّ، بل تحفظه.

ويبقى السؤال:

هل ترون أن بيئات العمل اليوم ما زالت تحافظ على آداب التعامل بين الجنسين، أم أن الحدود بدأت تذوب شيئًا فشيئًا؟