لماذا نميل للعاطفة بدلاً من النقد البناء؟

برأيي الأمر يعكس ظاهرة بشرية معقدة توضح لنا التركيب البشري واختلاف تصرفه حسب الموقف.

أثناء تصفحنا لإحدى مواقع التواصل الاجتماعي مثلاً، غالباً سيمر علينا شخص يطلب رأي المشاهدين في موضوع من صنعه، أو صانع محتوى جديد يطلب الدعم. في كثير من الأحيان ستجد تفاعلاً إيجابياً حتى لو كانت القيمة الفكرية قليلة، وهو أمر جيد من دافع التشجيع. ولكن الأمر المثير هو عبارات المدح التي تزين الفعل أو العمل وكأنه مثالي. هذا المدح وإن كان يمنح كلا الطرفين شعوراً بالرضى والسعادة، ولكنه سيضر من يتلقاه غالباً، حيث لن يستطيع تقبل النقد بعدها، بل سيعتبره جزءاً من الإهانة، وسيحدث له التجمد الفكري أو التعصب الفكري حيث لن يقبل أي آراء ناقدة وإن كان نقداً بناءً. بما أننا نعلم أننا بمدحنا المبالغ فيه الخالي من الإشارة للأخطاء سنضر ذلك الشخص أكثر من أن نفيده، لماذا نواصل في نفس الفعل؟

لا توجد إجابة واحدة، بل ستختلف الإجابة حسب كل شخص، وربما ستكون إجابة الكثير هي التعاطف، وهي إجابة صحيحة غالباً. ولكن إن أردنا التعمق أكثر بقليل سنجد إجابة أخرى وهي:

عدم القدرة على الرفض.

في هذه الحالة يرى الإنسان أن أي سلوك نقدي وإن كان بناءً هو رفض ونقد لاذع أي هجوم. في هذه المرحلة سيشعر بأن عليه مسؤولية ليست تجاه الشخص المقابل فقط، بل تجاه نفسه، حيث سيغرق في موجة من تأنيب الضمير غير المبررة في غالب الوقت. وهذا راجع لأن الإنسان بطبعه لا يحتمل أي نوع من أنواع الرفض، أي شيء له علاقة بكلمة "لا". رغم أن هذا النقد مفيد وليس رفضاً، ولكننا نقوم بتأويله لأنه جزء من رفضنا لفكرة معينة ومهاجمتها.

أيضاً هناك أسباب كثيرة مثل التبرير بأن مديحه المبالغ فيه هو نوع من التشجيع، بالرغم من أنه نوع من إشباع الغرور لدى الشخص، أو الخوف من رد الفعل القاسي، أو ترك الطرف الآخر له، وغيرها من الأسباب. ولكن عدم القدرة على الرفض عند الإنسان هي السبب الأول غالباً لدى كل شخص."


أظن أن المديح المبالغ فيه لا يرتبط فقط بالخوف من الرفض أو الرغبة في التشجيع، بل بظاهرة أعمق تتعلق بـ سوق الصورة الاجتماعية الذي نعيش فيه اليوم.

الإنسان لم يعد يمدح بدافع التعاطف فحسب، بل لأن المديح ذاته أصبح عملة اجتماعية يتبادلها الناس دون وعي حين تثني على أحدهم علنا، فأنت تبني رصيدا من القبول قد تحتاجه لاحقا حين تطلب دعما أو تفاعلا على عملك هذه المعادلة جعلت الصدق في الرأي مخاطرة، والمجاملة استثمارا.

ولذلك أصبحت دوائر النقاش مليئة بعبارات الثناء الفارغة لأن قول الحقيقة مكلف بينما قول ما يرضي الآخر يمنحك مكسبا سريعا: إعجابا، علاقة، أو حتى شعورا مؤقتا بالأمان الاجتماعي.

ربما الحل ليس أن نكف عن المديح، بل أن نستعيد معنى الصراحة بوصفها احتراما لا هجوما فالنقد الصادق لا يقل لطفا عن المديح الصادق، لكن ثقافة الإعجاب أولا جعلتنا ننسى ذلك.

وجهة نظر جميلة، ولكن ليس لها علاقة مباشرة في أغلب الحالات، خاصة تلك اللحظات التي يطلب منك الشخص اجتماعًا فرديًا أو يكون حوار خاص بين شخصين، فإنه لا توجد أي ضغوط اجتماعية، ولكن يبقى هذا السلوك موجودًا. ما يدل على أن هذا السلوك ليس مجرد ظاهرة بسيطة يمكن تفسيرها بطريقة واحدة، بل سلوك إنساني معقد ومركب، يكشف تعقيد وترابط التفكير الإنساني.

صحيح، الظاهرة أعمق من مجرد ضغط اجتماعي أو رغبة في القبول لكن ما يربط كل تلك الحالات هو حاجتنا لأن نرى بصورة إيجابية دائما سواء أمام الناس أو في محادثة خاصة حتى في الحوار الفردي، الإنسان يخاف أن يكون القاسي أو الجارح لأن الصراحة عندنا ما زالت تفسر على أنها قلة ذوق لا وضوح لهذا نختار المديح كمنطقة آمنة تريحنا نفسيا وتجنبنا الصدام، حتى لو كنا نعلم أن ما نقوله ليس دقيقا ربما الحل في تغيير المعنى الثقافي للصراحة نفسها، أن تصبح دليل احترام لا تهديد.

عندها فقط يمكن أن نمارس الصدق دون أن نخسر المودة.

كلامك دقيق جداً، كما أعجبني ربطك الصراحة بقلة الذوق في مجتمعنا. ولكن هذا يجعلنا نطرح سؤالاً أوضح، حيث يتجذر في أصل هذا السلوك، ألا وهو: لماذا يريد الإنسان بطبيعته من الأساس أن يُرى كشخص صالح؟

أظن أن الإجابة هي أننا لا نمدح الناس فقط لنبدو لطفاء أو لتجنب الرفض، بل بسبب البذرة التي زُرعت فينا منذ الطفولة، ألا وهي فكرة "الإنسان الصالح". حيث تم تلقيننا هذه الفكرة ولكن لم يتم تعليمنا كيف نطبقها فعلاً، فيبدو لنا المديح المبالغ فيه - وإن كنا مدركين لأضراره - تصرفاً صالحاً، وهو ما نبحث عنه. فتبدو لي واحدة من أهم أسباب المشكلة هي التعليم الناقص الذي نتلقاه في حياتنا، خاصة في موضوع يمس الهوية البشرية مثل "الإنسان الصالح". كما أن ما جعلني أرى هذا الأمر بوضوح أكبر هو نموذج من ابن عمتي، الذي كنت على دراية كبيرة بطريقة تربيته. فكان منذ طفولته طفلاً منعزلاً وفيه نوع من الخوف، فكان كل ما يتلقاه هو عبارات من النصح، ولكن ليس ليكون صالحاً، بل ليواكب شر المجتمع. بالرغم من أن هذا الأمر صحيح جزئياً، إلا أن المبالغة فيه أدت إلى إنجاب شخص غير مهتم بالمعايير الأخلاقية، حتى تطاول على الدين نفسه.

باختصار، أرى الإنسان - وخاصة من الجانب الأخلاقي الذي يرتبط بشكل وثيق مع المدح - نتاجاً لما تلقاه من مجتمعه، وكيف تلقاه.

أظن أيضًا أن المبالغة في المديح ليست دائمًا لأن الناس لا يستطيعون الرفض، بل لأنهم يريدون أن يبدوا لطفاء أو محبوبين، البعض يمدح كثيرًا ليكسب محبة الآخرين أو ليبدو مؤدب حتى لو لم يكن رأيه الحقيقي، نحن في مجتمعاتنا نربط النقد بالعداوة ونرى أن من يخالفنا الرأي لا يحبنا، لذلك نخاف أن نقول الحقيقة ونفضل المجاملة، أرى المشكلة ليست في الرفض فقط بل في أننا لا نعرف كيف نقول رأينا بطريقة صادقة ولطيفة في الوقت نفسه فنقول مثلًا عملك جميل لكنه يحتاج تعديل بسيط من غير خوف أو إحراج

تماما يا مي، وربما السبب الأعمق أن ثقافتنا لا تفرّق بين النقد للفكرة والنقد للشخص، لذلك يتجنب الناس الصراحة حتى لا يفهم كلامهم على أنه هجوم شخصي المديح هنا يصبح وسيلة للحفاظ على السلام الاجتماعي أكثر من كونه تعبيرا عن رأي حقيقي.

لو تعلمنا أن نأخذ النقد بوصفه مشاركة في التطوير لا تقليلا من الجهد، لربما اختفت كثير من المجاملات وأصبح الحوار أكثر صدقا وفاعلية.