السماعة والوسادة
ليلة صامتة، كما يُفترض بها أن تكون. لكن في رأس السرير، لا شيء يدلّ على السكون… سماعة الأذن كانت تعمل كعادتها تبثّ بودكاست طويلًا عن "كيف تنام بسرعة"، بينما تكرر موسيقى خلفية لا تنتهي، بلا هدف… سوى أن تملأ الفراغ. الوسادة، القديمة بعض الشيء، كانت ترقب المشهد بصمت. اعتادت أن تحتوي الهموم، أن تُبلّلها الدموع، أن تستقبل أنفاسًا ثقيلة بعد أيام مرهقة. لكن في هذا الزمن، لم تعد تُستخدم لهذا. نظرت إلى السماعة، وسألتها بنبرة متعبة: "ألا ينام أحد في صمت بعد اليوم؟" السماعة، التي لم تتوقف منذ أيام، ردّت بسرعة: "الصمت؟ هذا للضعفاء. فهم لا يحبون أن يُترَكوا مع أفكارهم." ثم أضافت بفخر: "أنا أمنحهم صوتًا يحجب الوحدة." هزّت الوسادة زواياها بلطف، وقالت: "بل تحجب الصدق. كانوا يأتون إليّ بقلوبهم، لا بأجهزتهم."سكتت السماعة للحظة، ربما لأن البطارية بدأت تنفد، أو لأن شيئًا في نبرة الوسادة جعلها تشعر بشيء لم تُدركه من قبل: ربما الصوت لا يعوّض الحضن، وربما السكون لا يخيف… بل يُظهر فقط ما نخشاه أن نسمعه من أنفسنا. وفي تلك الليلة، سقطت السماعة أرضًا… وارتاح الرأس أخيرًا فوق الوسادة، بلا صوت.
فعلاً، صرنا نملأ حياتنا بالأصوات والصخب لدرجة أننا فقدنا القدرة على الاستماع لأنفسنا. أحيانًا يكون الصمت هو أعظم هدية، لأنه يسمح لنا بمواجهة أفكارنا ومشاعرنا بصدق، بعيدًا عن كل الضوضاء الخارجية.
الصمت هو أعظم هدية، لأنه يسمح لنا بمواجهة أفكارنا ومشاعرنا بصدق،
لكن وما يدرينا أن هذه المشاعر ليست هي نفسها جزء من الضوضاء التي حولنا أو ربما تأثرت بها؟ وكيف نواجه هذه المشاعر بصدق والمشاعر نفسها مختلطة ومتأثرة بما حولنا من صخب وسرعة، حتى الصمت نفسه لم يعد أداة للاسترخاء بل مثل كوب شاي ساخن يشربه الشخص بعد عُرس صاخب لا ليستمتع به بل لأن عقاقير الصداع لم تعد تُجدي نفعًا.
التعليقات