في مجتمعات تزداد فيها التنازلات عن القيم يومًا بعد يوم يصبح الجحيم مشهدًا مألوفًا لا لأننا لا نعرف الصواب بل لأننا فقدنا الجرأة على الدفاع عنه "طبيب في مستشفى حكومي رفض إجراء عملية لمريض يحتاج لتدخل عاجل لأنه لا يملك مبلغًا بسيطًا فخرج المريض يحتضر على باب المستشفى ومات بعد دقائق لم يهتم أحد لم يُحاسب الطبيب ولم يسأل أحد عن الفقير وواصل الكل يومه كأن شيئًا لم يكن" "وفي مشهد آخر أب ينهال على ابنته الصغيرة ضربًا مبرحًا في الشارع تصرخ وتبكي وتستغيث والمارة يرمقونها بنظرات سريعة ثم يشيحون بوجوههم لا أحد تدخل لا أحد أوقفه تركوها تنهار أمام أعينهم وكأنها لا تعنيهم" "وعلى رصيف آخر فتاة تتعرض لتحرش واضح في الشارع والمارة ينظرون ثم يمضون وكأنها هي المذنبة لا الضحية لم يقترب أحد ليدافع عنها فقط اكتفوا بالمشاهدة وبعضهم سجل الموقف فيديو على الهاتف وابتسم كأن ما حدث مشهد كوميدي لا مأساة إنسانية" الجحيم هنا ليس نارًا فحسب هو غياب الضمير هو صمت الشرفاء هو تطبيع القبح وتمجيد الخطأ وحين نعتاد كل ذلك نطمئن فعلًا لأن الجحيم يتسع للجميع فهل أصبحنا نعيش في عالم بلا قيم أم أننا فقط فقدنا الشجاعة لنتمسك بها؟
لماذا نصمت أمام الظلم وانعدام الرحمة؟
نعم سبباً وكان سيموت لامحالة ... ومكتوب في لوحه المحفوظ انه سيموت في الطريقة والمكان اللذان اختارهما الله له . ليست هي المشكلة فالرحمة في عالم الإنسانية يجب أن تغلب على القانون
مامنع المشفى من إجراء العملية للرجل أنه لايملك ثمنها !!
وكأنها صفعة من الله تعالى للبشرية فقد طبع على قلوب هؤلاء ونزع منها الرحمة لأنهم غيروا فطرتهم التي خلقهم عليها
مامنع المشفى من إجراء العملية للرجل أنه لايملك ثمنها
طيب ولكن تعالي نفكر سويا: من الذي يُعتبر عديم الرحمة في هذا الموقف بالتحديد؟ هل الطبيب الذي هو في نهاية الأمر موظف؟ أم عامل الاستقبال الذي هو عامل؟ أم صاحب المستشفى الذي لم يحضر هذا الموقف أساسا؟
في بداية الموقف تبين أن المريض في حالة مستعجلة ولابد من إجراء العملية لإنقاذه وكان من الواجب الإنساني على الطبيب أن يجري له العملية دون تردد
فاخلاق الاسلام تعلمنا أن نعمل عملا صالحا يكون الهدف منه ارضاء الله تعالى فالموقف بحد ذاته كان اختبار للطبيب وانا على يقين ولو أنه مجرد موظف لكن فكرة أنه كان من الممكن أن ينقذ حياة المريض تمنعني من تقبل موقفه الحيادي
فالرحمة لا تتوقف عند حدود الوظيفة والضمير لايخضع لقانون الادارات
سؤال مهم ويستحق التوقف عنده لأن في مواقف مثل هذه لا تكون المسؤولية على شخص واحد فقط بل تتوزع على أطراف متعددة وكل واحد منهم كان يمكنه أن يتدخل بطريقة أو بأخرى فلطبيب مثلًا قد يكون موظفًا محدود الصلاحيات وهذا أمر مفهوم لكن هل حاول أن يتصرف هل سعى لإطلاق إنذار أم اكتفى بالتقيد بالإجراءات وترك المريض يواجه مصيره أحيانًا التصرف الإنساني لا يحتاج إلى إذن رسمي وعامل الاستقبال صحيح أن دوره إداري وبسيط لكن حتى كلمة طيبة أو محاولة تنبيه أحد أو نقل الحالة بسرعة إلى قسم الطوارئ كان من الممكن أن يحدث فرقًا ولو بسيطًا أما صاحب المستشفى فغيابه الجسدي لا يعني غياب مسؤوليته لأن النظام الإداري الذي وضعه والآليات التي يختار تفعيلها أو تجاهلها هي التي تصنع بيئة إما أن تكون إنسانية أو قاسية لذلك لا يمكننا أن نلقي باللوم كله على طرف واحد بل نقول إن كل شخص كان حاضرًا وشاهدًا على الموقف وسكت وكان قادرًا على تقديم أقل قدر من المساعدة أو الاعتراض يتحمل جزءًا من المسؤولية لأن الإهمال في بعض الأحيان لا يكون نتيجة قرار كبير بل نتيجة تراكم الصمت والتجاهل من أشخاص عاديين في مواقع مختلفة
التعليقات