ماذا يعني ان تكون شخصاً "أخلاقياً"؟ حقيقة ام مجرد هراء؟

  • Akamioc

حسناً.. لكي اكون اكثر دقة انا هنا اتحدث بشكل تجريدي بعض الشي ولا موضوعي - بنسبة كبيرة :)

بالنسبة لي فانا اظن انني لا امتلك اخلاقيات صارمة، ولا مشاعر حقيقة تجاه القضايا العظيمة، الق تل، السرقة، الصدق، الكذب، كل هذه الامور في نظري قابلة للنقاش وارى عدة جوانب في كل قضية، فلا أومن حقيقة بخيرية الصدق المطلقة كما لا ارى الكذب شراً،لا أرى الق تل كارثة كونية ولا الاجهاض بتلك الدرامية، عندما اخاطب بشكل عاطفي ودرامي مؤجج بالعبارات الاخلاقية اجدني انفر لا ارادياً وقد ادخل في جدال لساعات مع الشخص المقابل فقط لأفهمه ان ما يقوله يقبل عدة تفسيرات أخرى وقد يرى من عدة جوانب...

وبطبيعة الحال اجدني ساخرة بشكل حاد من العادات المجتمعية والتقاليد والأعراف...(وكل ماهو "مفروض" و "متوقع" ) الحقيقة انني لا أبلي بها اساساً. ولقد كان من العجيب بالنسبة لي (بعد دراستي لموضوع الفطرة) ان اعلم ان هنالك من البشر من هم أخلاقيون دون تبرير، فهو أخلاقي وهو نفسه لا يعلم لما هو هكذا! متديناً كان ام ملحداً، تدفعه الفطرة التي اودعها الله فيه ان يعلم انه - لسبب ما- الصدق جيد والكذب سيئ، القتل جريمة ومساعدة الناس خير.. الخ. ولكن بالنسبة للأشخاص التحليلين والذين يفكرون في كل صغيرة وكبيرة فحتى الفطرة محل تساؤل! قد يكلم احدهم نفسه فيقول "نعم داخلي هذا الاحساس القوي ان هذا الامر خطأ ولكنني ببساطة لست ملزماً بإتباعه.. انا الذي اختار مالذي اره" منطقيا"... الخ"

ولهذا أرى الدين(الأسلام) هو حبل النجاة الوحيد للأشخاص الذين يفكرون بهذا النمط، لانه وبعد ان نتأكد ان هذا الدين هو حق بالأدلة والبراهين العقلية يصبح من اليسير للغاية امتلاك معاير اخلاقية متجاوزة،

لانه لولا ان الله امر مثلا بالصدق لكان من "الحماقة" ان يصدق انسان وهو يعلم انه سيخسر او ان يضحي احد بحياته في سبيل قضية لا ناقة له فيها ولا جمل، ولكان من الحماقة ان يحب احد لغيره ما يحبه لنفسه.. اعني اليس الأنسان بطبيعته كائن أناني؟ وهذا مشاهد، ولكان من السهل للغاية تبرير الجرائم والمجازر التي تحدث من حولنا كل يوم كما يحدث الأن في غزة من تبريرات دنيئة وساذجة تدعم الكيان المحتل

، فطالما انه لا إله ولا دين فالماذا يهم اي شي؟ وطالما انه لا حساب ولا جزء فما الفائدة من فعل الخير وترك الشر؟ الجواب :لا شيئ! لافائدة ابداً.

ولهذا فالخطاب الأخلاقي المجرد من مرجعية الله والدار الآخرة هو من اضعف الخطابات واكثرها طفولية وسذاجة والسبب الوحيد لتأثر معظم البشر به هو اننا احياناً يغمى على عقلنا فلا نتسأل، ولا ننتبه وتغلب علينا العاطفة ورغم اني احترم الاشخاص الذين يدافعون عن قضاياهم الاخلاقية حتى دون مرجع ديني إلا اني فضولية اكثر تجاه منهجهم في التعقل... لا اظن انهم فكروا كثيراً في الأمر.


طرحك يلمس لبّ سؤال فلسفي قديم ومتجدد..

هل الأخلاق ثابتة أم نسبية؟ فطرية أم مكتسبة؟ وهل الالتزام بها يحتاج مرجعًا مطلقًا، أم يمكن أن تُبنى عقلانيًا؟

أعجبتني صراحتك في مواجهة هذا التناقض الداخلي:

"نعم داخلي هذا الإحساس القوي أن هذا الأمر خطأ… ولكنني لست ملزمًا باتباعه"

هنا تمامًا تكمن إشكالية الضمير بدون سلطة عليا؛ يصبح الإنسان هو القاضي والمشرّع والمنفّذ، وعندها يختلط الإدراك بالحيلة.

لكن دعيني أضيف زاوية أخرى للنقاش:

حتى في غياب الدين، هناك تجارب فلسفية حاولت تأسيس الأخلاق على العقلانية البحتة، كطرح كانط مثلًا، أو فكرة "العقد الاجتماعي" عند روسو. لكنها غالبًا ما تنهار حين تُختبر في الميدان الواقعي – تمامًا كما أشرت – فـ"لماذا لا أكذب إن كان ذلك سينقذني؟ ولماذا أضحّي لأجل آخرين؟"

ولهذا أرى أن الإشكال ليس فقط في الأخلاق المجردة، بل في غياب الحافز الداخلي الثابت للاستمرار في سلوك أخلاقي حين يكون مكلفًا.

الإيمان – كما ذكرتِ – يُعيد ترتيب هذه المعادلة:

ما كان يبدو جنونًا (كالصدق حين الخسارة، أو التضحية دون مقابل)، يصبح منطقًا حين تدخل الآخرة في المعادلة.

لكن يبقى عندي سؤال :

هل يمكن لشخص أن يكون "أخلاقيًا" – أي ملتزمًا بالعدل والخير – لا لأن هناك إلها أمره، بل لأنه اختار ذلك بإرادته الحرة؟

وهل نُقلل من شأن هذا الاختيار حين نربط الأخلاق فقط بالثواب والعقاب؟

مقالك يدعو للتفكير… وتفكيك المسلّمات.

شكرا لك، لقد استفدت كثيراً من تعليقك، اما بالنسبة لسؤالك

فالجواب هو؛ نعم. يمكن ان يكون هنالك شخص يختار ان يكون اخلاقيا حتى دون تلقي أوامر-الوحي المنصوص- من الله، وهذا يرجع للفطرة التي وضعت فيه اوكما يسميها البعض (الضمير) وقضية الفطرة لا يختلف فيها عاقلان، الامر ليس إما او، الفطرة التي داخلنا كلما كانت نقية، محاطة ببيئة جيدة تدعمها، او تربية اخلاقية جيدة، فبكل بساطة سيكون اختيار الصواب سهلاً او حتى دون هذا كله. وكثيرا ما نرى ونسمع عن اشخاص غير متدينين يختارون الخير على الشر ، لذا الجواب هو نعم، يمكن للانسان ان يتخذ قرارا بأن يكون صادقاً او عادلاً دون "نص" يوجهه، وهنا استشهد بالحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم (إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ) فالأخلاق حاصلة في النفس وضعها الله وهيأ الأنسان لتقبلها، لكن تكمن المشكلة في ان الفطرة تتلوث، تطرب، وقد تفسد تماما! فهي في اصلها صالحة ولكن لايمكن الاعتماد عليها وحدها (ونرى ذلك الان حولنا، انتكاس الفطرة في العالم الغربي على سبيل المثال، بل في معظم بلدان العالم) والعقل محايد في حقيقته فهو لا يعرف "الشر والخير" هذه مفاهيم غير عقلانية لذا لا يمكننا الاعتماد عليه في تحديد المعاير الاخلاقية فيكون الشي الوحيد المتبقى هو ان تكون الأخلاقيات متجاوزة للعقل خارجة عنه، من مكان اخر وليس من الانسان، لهذا نحتاج إلى الوحي لكي يوجه الفطرة والعقل وهذا من معاني الاية في سورة النور (نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ) فالنور الأول هو الوحي جاء ليوجه نور الفطرة الطاهرة التي كانت موجودة اساساً.

اما بالنسبة لقضية الاختيار فالمعروف ان الأنسان في هذه الدنيا بين حالتين "تحصيل لذة ودفع ألم" وكل قرار في حياتنا قائم على هذين الامرين أدركنا ذلك ام لم ندرك، حتى وإن لم يكن دافعنا للفعل الأخلاقي او عكسه هو ثواب واضح كالجنة او عقاب كالنار فهو سيكون لغاية ما، اما اننا حصلنا على لذة معينة من انشراح القلب او السعادة او الشكر او الشعور بالأنجاز او المدح او الحب او اي عائد نفساني و مادي او اننا دفعنا الماً معينا كتأنيب الضمير، الندم،او جلد الذات.. الخ، الحقيقة انه سواء اعجبنا الامر ام لا فنحن كائنات "تعمل بالأجرة" ان صح التعبير، نبحث عن منفعتنا حتى دون ان ندرك ذلك وعلينا فقط التصالح مع هذا الامر وان نتوقف عن النظر لأنفسنا بعين الملائكية.

أعجبتني كثيرًا عبارة: "الفطرة صالحة لكن لا يمكن الاعتماد عليها وحدها."

نعم، هناك من يختار الخير بفطرته، وربما لأسباب نفسية أو بيئية، لكن يبقى السؤال المركزي:

هل يمكن للفطرة وحدها أن تصمد أمام ضغط المصالح، والهوى، وثقافة تبرير كل شيء؟

وهنا تتضح الحاجة للوحي لا كقيد، بل كـ"نظام تشغيل للفطرة"، يمنعها من الانزلاق باسم التبرير العقلي أو المنفعة اللحظية.

كما أن تشخيصك للإنسان ككائن "يعمل بالأجرة" واقعي للغاية… لكنه أيضًا يُعيدنا لمعنى عميق: أن حتى فعل الخير – إذا خُلِيَ من مقصد أعلى – قد يتحوّل إلى وسيلة للذات، لا للحق.

ولعل هذا ما يميز الأخلاق المتجاوزة (الوحي) عن الأخلاق النفعية (الفطرة المجردة).

ما تفضلت به يُرسّخ أن الأخلاق فطرية في أصلها… لكنها تحتاج لمن يرشدها ويثبّتها ويمنعها من الانحراف وهي تظن أنها على صواب.

نقاشك يُثري العقل فعلاً

كل الأخلاق الحسنة في أصلها نابعة من ألم مخالفة الهوى ، ولذا كما في الحديث الشريف "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات"

اختيار الإنسان هو عملية مغالبة بين (فطرة الخير التي وضعها الله تعالى داخله + مايساند هذه الفطرة) مع (الهوى+ ما يساند هذا الهوى) فأيهما غلب كان فعل الإنسان.

السؤال المطروح: هل الأخلاق نفعية؟

للجواب على هذا السؤال نذهب إلى ما قاله علماء المعتقد من كون ركائز العبودية الصحيحة ثلاثة: 1- الخوف 2- الرجاء 3- الحب

وأي عمل لابد أن يكون مخلوطًا من هذه الثلاثة -مع صعوبة فصل بعضها عن بعض- وإن كانت نسبة كل واحد منها مختلفة في كل عمل نعمله .. فيتبين من هذا أن كل عمل فيه نسبة نفعية، بل هو قائم على نفيعة سواء ظهرت هذه النفعية أم خفيت.

فالعطاء من أجل الحب لا يخلو من رجاء او خوف خفي = لا يخلو من نفع خفي

ما يفضح الأخلاق ويبين كونها نفعيه شدة الموقف .. وذلك لا يتبين إلا يوم القيامة "يوم يفر المرء من أخيه . وأمه وأبيه . وصاحبته وبنيه . لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه"

هل هذا خطأ؟

لا .. ما دام أن هذه النفعية لا تضرّ أحدًا ولا تبغي عليه .. وهذا الفارق بين نفعيه الإسلام ونفعية ميكافيلي