قبل عدة أيام سمعت بوفاة أحد المعلمين الذي درسوا لي في المرحلة الإبتدائية، فلم يمر بذهني سوى موقفين أساء إلي فيهما وحفرا في ذهني حفراً، وكنت أذكر الموقفين كأنهما حدثا البارحة في كل مرة أراه فيها.

أحد أولئك الموقفين كان في الصف الأول الإبتدائي، أول سنة في التعليم المصري، وكان الرجل يدرس لنا التربية الدينية، وأخبرنا في أحد الدروس أن "من سجد ولم يركع فصلاته صحيحة، وليس عليه شئ"، فاعترضته أنا على ذلك، فأخبرني أنه سيضع ذلك السؤال في الإمتحان وإن لم أجب كما قال فإنه سيحسب لي السؤال كإجابة خاطئة.

أتى الإمتحان وأبيت إلا أن أكتب أن صلاة من لم يركع باطلة، ونفذ ذلك المعلم وعيده بالفعل، فأخبرت أبي وحضر للمدرسة وعنفهم وحصلت على حقي.

الموقف الثاني كان بعد ذلك بعامين أو ثلاثة، كنا في حرم المدرسة نجلس تحت شجرة، وأصاب أحد زملاءنا بكرته مكاناً ضيقاً في الشجرة فعلقت بها، فصعدت إلى الكرة لأحضرها، فرآني ذلك المعلم والكرة بين يدي وأنا على جذع الشجرة، فاتهمني أني أريد الهروب من المدرسة. . أنا أهرب من مدرسة؟ لا أب له!.

ولم تفلح أي من محاولاتي في ثنيه عن الأمر وإقناعه أني آخر شخص يفكر في الهروب من التعليم!، فهادنني آخر الأمر وخدعني بأن أعطى خطاب استدعاء ولي أمري إلى أختي الصغرى لتدفعه إلى أبي.

لم أستطع أن أغفر للرجل ما صنع إلى الآن. الشاهد من الأمر أني أنبهك إلى تأثير تلك الأفعال الصغيرة التي لا تلقي لها بالاً في نفس من تربيه أو تعلمه، ولدك كان أو زميلك أو غير ذلك، بعض النفوس لا تشفى جروحها سريعاً، خاصة إن كانت بظلم، لا تتسرع فتظلم بغير تثبت، لا أخبرك ذلك من باب الشفقة على المظلوم أكثر منه شفقة عليك، فلا حاجة لك في خلق أسباب للناس لكي تكرهك وتحتقرك.