لماذا نشعر أن كل الأيام مثل بعض؟

أحيانًا يمرّ علينا الأسبوع وكأنه نسخة مكررة من نفسه، كل يوم يشبه ما قبله وما بعده كأن الحياة يوم واحد.

نستيقظ، نكرر نفس الروتين، وينتهي اليوم والأسبوع والشهر والعام بدون ما نحس بفرق حقيقي.

فلسفياً يمكن تفسير هذه الظاهرة بفكرة "الزمن المعيش" وهو زمن الحياة الروتينية، الذي يختلف عن الزمن الفيزيائي أو وقت الساعة، إذ لا يٌحسب الوقت في الزمن المعيش بوقت الساعة أو القويم العادي، إنما توقف إحساسنا بالوقت على ما نعيشه داخليًا وخارجياً .

التفسير الشائع يقول أنه عندما نفتقد التجديد أو الأحداث اللي تكسر التكرار والروتين المعاد، نفقد الإحساس بالفواصل الزمينة ، ونشعر رغم عدم سعادتنا بالوقت وخوفنا منه، إن السنوات الأخيرة مرت بسرعةوكأنها فيلم مسجل على ديفيدي قديم ، لكن أعتقد ان هناك أسباب أخرى أعمق لهذا الشعور، فرغم وجود إنجازات وتقدم في حياة كل واحد منا مع ذلك يعود إلينا ذلك الشعور بغتتة.

في رأيك: لماذا أصبحنا نشعر بأن كل الأيام متشابهة، حتى في تلك الأيام التي تعد أياماً جيدة من ناحية الإنتاجية مثلا؟


عندما ترتبط الأيام والأعمال والإنجازات برسالة سامية يؤمن بها الإنسان ويجعلها محورًا لحياته، أعتقد أن الأيام حينها لا يمكن أن تتشابه أبدًا. هذا يحدث لأنه يسعى في اتجاهات عدة مترابطة تخدم كلها جوهر هذه الرسالة، مما يضفي على كل يوم قيمة متفردة.

​لنأخذ على سبيل المثال المعلم الذي يرتبط عمله برسالة العلم وقيمته، ويسعى للتأثير الإيجابي في حياة طلابه. إن أيامه لا تُسرق منه أو تصبح مجرد تكرار ممل؛ بل يصبح يقيسها بمدى الفائدة التي قدمها والطلاب الذين تغيروا بالفعل نحو الأفضل. وكأن كل يوم في حياته هو رحلة جديدة يخوضها بوعي وإصرار من أجل تحقيق ما آمن به.

​هذه الرسالة تمنح الحياة معنى عميقًا ودافعًا متجددًا، وتحوّل الروتين إلى تراكم إيجابي يصب في خدمة الهدف الأسمى، فكل إنجاز صغير يصبح خطوة ملموسة نحو تحقيق تلك الغاية النبيلة، ويصبح كل يوم جديد فرصة لإكمال ما بدأ.

اعتقد أن فكرة ربط الإحساس بالحياة بالرسالة السامية التي على الشخص أن يستحضرها هي فكرة مثالية كثيراً أو قليلاً، لأن البشر لم يخلقوا لحمل رسائل بهذه المثالية، القلة القلية من الناس عبر التاريخ كله هم من يستشعرون أهمية أن تكون في حياتهم رسالة قيمة بهدون إلى تحقيقها ، لكن الأغلبية من البشر غارقون في السعي اليوم عن قوت يومهم، أو منغمسون في ملذاتهم الخاصة، لذلك لا يمكن أن تقنع كل الناس بضرورة وجود رسالة ذات معنى في حياتهم لأنهم لا يردونها كذلك أصلا.

الأمر لا يستدعي مثالية مفرطة ولا تعقيداً في التفكير، ولا أرى الأمر كذلك على الإطلاق. كل ما في الأمر هو أن ينظر المرء إلى عمله وروتينه اليومي ليس بوصفه مجرد واجب، بل على أنه قيمة مضافة حقيقية للعالم وللمحيطين به. هذا التحول البسيط في النظرة يغير كل شيء.

​فالمعلم مثلاً، سيذهب إلى المدرسة ويؤدي واجبه سواء كان يستشعر رسالته التربوية أو لم يكن كذلك. ولكن لمَ لا يبث في عمله عنفوان الحياة وروح الشغف؟ يمكنه تحقيق ذلك بالنظر إليه من خلال رسالته السامية كمعلم ومربٍ للأجيال، أو من خلال إدراك أن هناك عدداً من الطلاب استفاد منه واستنار بعلمه على نحو عميق.