لماذا يتحدث العرب الإنجليزية فيما بينهم؟!

  • Amany11

"أرى كُلَّ يَومٍ بِالجَرائِدِ مَزلَقاً

مِنَ القَبرِ يُدنيني بِغَيرِ أَناةِ

أَيَهجُرُني قَومي عَفا اللَهُ عَنهُمُ

إِلى لُغَةٍ لَم تَتَّصِلِ بِرُواةِ"!

هكذا كانت ومازالت اللغة العربية ترثي حالها بلسان حافظ إبراهيم.. فتحدُّث البعض باللغة الإنجليزية مع أشخاص عرب مثلهم، ينبغي ألا يدل إطلاقا أن من يقوم بذلك هو إنسان مثقف، بالطبع لا أتحدث هنا عن المصطلحات العلمية والتقنية، فمعظمها مُعرَّب، ويُستخدم بنفس منطوقه..

لكن ما يُزعجني هو إعتياد البعض على إقحام الكثير من الكلمات الأجنبية بحديثهم بشكل مبالغ به، خاصة وهم يتقنون العربية تماما..

فهل تعانون من ذلك الأمر أيضا، أم أنه لا يلفت إنتباهكم؟.. وبرأيكم ما هو الدافع لهكذا عادة؟!


التعليق السابق
Farissou7 أضف ردا

أَخْذُ لُغةٍ ما على أنّها «شعريّة خشبيّة» لا يعني أنّها تنتهي عند نُقطة الشعر والخشب الميّت، فهذه اللغة نفسُها كان قد كُتِب بها في الجبر والمطابقة، في الطبّ، في القضاء، في علم الكلام، في الفلسفة... إلخ، وهل هذه كلُّها علُومٌ ودراساتٌ تحتاجُ المشاعر في صياغة مواضيعها؟ لا، بل إنّك - ربّما - أخذتَ هذه النظرة، لأنَّ العربيّة في عصرنا هذا لم يبقَ لها حياةٌ إلّا في الإعلام العربيّ، في الدين الإسلاميّ والأدب، في نقل الهراء وفي التعبير عن الإيمان والأحاسيس.

علاقتنا مع اللغة تُبنى على الفائدة، المصلحة والتواصل، وأيضًا - مع مرُور الزمن - على العاطفة، العيبُ في أن تقومَ على عامل العاطفة وحسب، سواءً كانت عاطفة الإيمان، عاطفة الحنين إلى أمجاد الماضي، أو عاطفة الحبّ وأفانينه.

ليستِ المشكلة في اللغة - أيًّا كانت، ضعيفة أو قويّة، حديثة أو قديمة- إذن، بل في أصحابها، المشكلة تكمُن في «الحضارة». في كلّ العصور، الحضارة التي تهيمنُ، تُهيمنُ لُغتُها استلزَامًا، إنّك بشكلٍ أو بآخرَ مضطرٌّ إلى أخذِ العلم من هذه الحضارة، القَبس من نورها، ولتحقيق هذا عليك بتعلُّم لغتها، إتقانها، ونقلِ ثمارات أصحابها إليك.

إذا كنتَ تجيد الإنجليزيّة، وتُقيمُ بحثًا عن موضوعٍ غير مرتبط بلغتك الأمّ استثناءً، فستبحثُ بالإنجليزيّة، كنتَ عربيًّا، فرنسيًّا، أو ألمانيًّا، لا يعود هذا إلى ضعف لغتك بقدر ما يرجعُ إلى قوة الإنجليزيّة، شمُولها العجيب على شتّى المعارف، وصلابة المعرفة المنقولة عبرها، كانت ما كانت المصادرُ المكتوبة بلغتك، لن تصل إلى تلك الخاصّة بالإنجليزيّة، كمًّا وجودةً.

إذا استثنينا الرغبة في تحصيل بعض النقود عملا في الإعلام العربيّ، نحنُ نعملُ بالعربيّة في دراسة الإسلام كدينٍ، في دراسة التاريخ الإسلاميّ بظلامه ونوره، في قراءة ما جاد به العقل العربيّ أساسًا، أو نَقَلهُ من عقلٍ آخر يُفكِّرُ بلغة أخرى. نستخدمُ هذه العربيّة في تعاطي الأدب أيضًا، كان قصّة أو شعرًا، أصليًّا أو مُترجمًا؛ في مخاطبة العرب، الذين - فرضًا - يفهمون العربية، ولا يهمُّنا إذا كانوا يعتزّون بها أم لا.

أقُول أخيرًا: الشعرُ (رغم أنَّهُ بوحُ مشاعرٍ) غير مرتبطٍ بالعواطف دائِمًا (على خلاف أغلب أبيات عصرنا المجيد هذا)، قد تجدُ في الشعر كلّ شيءٍ مُمكن (يكون جميلا مُحِثًّا للتفكير أو بشعًا مُنفِّرًا)؛ أمّا عن «الأمور العاطفيّة» شعرًا فلا فائدة مرجوّة منها (باستثناء دارسي اللغة، الباحثين عن جمال استخدام العبارة)، لكن من يدري، قد يُنقذك هذا الأمرُ العاطفيّ بشكلٍ مؤقّتٍ في يومٍ ما، في حالةٍ ميؤوسٍ منها، كما قد يفعلُ مقطعٌ موسيقيّ بهيٌّ.

أوافقك الرأي، على أنني واحد مقابل آلاف مؤلّفة من الناس الذين يريدون استعادة اللغة العربية بأمثال للمتنبّي وللصادق الرافعي والشعراء وكتّاب الأدب، أنا مستاء للصراحة من الحالة الإنشائية الشعرية الفارغة التي تعيشها المنطقة العربية وهي في حالة غياب حضاري تام تقريباً في مسألة الإنجاز عن باقي لا أقول الأمم بل عن باقي حتى كل اعتبار بسيط في رؤوسنا لتقدّم ولو خجلاً بلا رغبة حقيقية.