هل يستطيع أي شاعرٌ أن يتلون ما بين المدح والعتاب والهجاء والفخر في شعره؟

"واحرَّ قلباهُ ممن قلبه شبمُ"

من المعروف لدينا وكما تابعنا في المساهمات السابقة أن المتنبي هجا سيف الدولة بعد أن تركه ولم يدافع عنه في مصر.

هذا البيت هو مطلع القصيدة المعروفة ب"البردة" أو "واحرَّ قلباه" وهي إحدى القصائد التي عاتب فيها المتنبي سيف الدولة الحمداني على سماعه كلام الحاسدين.

ونلاحظ أن المتنبي هنا قد بدأ القصيدة بتأوه يخرج مكنون نفسه ويعبر عن ضيقه وألمه بسبب حبه لسيف الدولة الذي لا يبادله هذه المحبة.

ولكن سرعان ما نلاحظ تغير النغمة من العتاب للمديح حيث يتغنى المتنبي بحبه لسيف الدولة في الأبيات التالية للمطلع مثل هذا البيت:

"مالي أكتم حباً قد برى جسدي"

وهنا قد يتعجب البعض من المزيج الغريب ما بين المدح والعتاب وهذا هو ما اعتدنا عليه في شعر المتنبي!

ثم نجد المتنبي كعادته يسهب في مدح سيف الدولة ويبالغ في تعظيمه ووصف أخلاقه وشيمه وقوته الحربية فيقول:

"أكلّما رمت جيشاً فانثنى هرباً

تصرفت بك في آثاره الهمم"

وبعد ذلك يعود مجدداً للعتاب بقوله:

"يا أعدل الناس إلا في محاكمتي

فيك الخصام وأنت الخصم والحكم"!

وفي النهاية يسرد مجموعة من أبيات الفخر بالنفس والتي تعد أحد أشهر أبيات الفخر على الإطلاق:

"أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي من به صمم

أنام مليء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جرّاها ويختصم"

ثم يؤكد على فخره بنفسه على مسامع سيف الدولة والشعراء أقرانه:

"الخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم".

قصيدة بها الكثير من المتناقضات ما بين المديح والهجاء، الشكر والعتاب، الفخر والألم، ولكن ما أرغب في معرفته هو هل يستطيع أي شاعر أن يجمع المدح والهجاء والعتاب والفخر في قصيدة أم أن هذا الأمر خاص في المتنبي؟


المتنبي وقلة القليلة من أمثاله هم من إستطاعوا أن يتميزوا بهذه المهارة في قصيدة واحدة، اليوم صعب جد أن يتم إيصال وصف واحد بالمعنى الصحيح.

لذلك قد نتسائل هل الخلل يكمن فينا كوننا نجد صعوبة في فهم أبيات العصر الجاهلي والعباسي وما بعدهما أم هم أنفسهم وجدوا صعوبة في اخراج قصيدة بمثل هذه العمق التي تمزج بين المدح والهجاء والعتاب والفخر في أن واحد؟

هناك قصيدة عجيبة  لإسماعيل بن أبي بكر المقري تجمع بين المدح والذم، فإذا قرأتها من اليمين الى اليسار تعتبر مدحا، أما إذا قرأتها من اليسار الى اليمين فتكون ذمًا:

طلبوا الذي نالوا فما حُرمــوا .... رُفعتْ فما حُطتْ لهــم رُتبُ

وهَبوا ومـا تمّتْ لـهم خُلـقُ ..... سلموا فما أودى بهم عطَبُ

جلبوا الذي نرضى فما كَسَدوا .... حُمدتْ لهم شيمُ فما كَسَبوا

طلبوا الذي نالوا فما حُرمــوا .... رُفعتْ فما حُطتْ لهــم رُتبُ
وهَبوا ومـا تمّتْ لـهم خُلـقُ ..... سلموا فما أودى بهم عطَبُ
جلبوا الذي نرضى فما كَسَدوا .... حُمدتْ لهم شيمُ فما كَسَبوا

يا لها من قصيدة رائعة بالفعل يا عفيفة!

من الجميل أن نقرأ عن تلك الأمثلة الجميلة التي وإن دلت على شيء فهو الإشارة إلى مدى اتساع الفجوة بين قدرة الشاعر العربي الأصيل في عصور سابقة على التعمق في الإبداع حتى أنه لم يعد يقف عند حد تميز السجع والقافية والأبيات، بل جعل أبياته مقروءة من الجهتين كما في ذلك المثال ولكل جهة معنى مختلف ومشاعر مختلفة وتجربة مختلفة!

نقف مذهولين أمام هذا الفن الأصيل ومتسائلين أين نحن من فناني تلك العصور؟!