هل كان المتنبي مغرورًا ومتكبرًا أم أنه من حقه أن يفتخر بنفسه و بشعره؟

  • MinaFreig

"سيعلم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسنا، بأنني خيرُ من تسعى به قدمُ أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صمم."

عندما درسنا هذين البيتين الشهيرين للمتنبي كنا نقول في أنفسنا ما هذا الطريقة التي يتحدث المتنبي ولماذا يظن في نفسه أنه أفضل من غيره؟!

ولكن هل كان هذا نوع من الكبرياء والعجرفة من قبله فعلاً أم أننا أسأنا الفهم؟

هل يستحق المتنبي هذا المديح وهل به تلك الصفات التي يذكرها بنفسه فعلاً؟!

من المعروف أن المتنبي هو أحد أقوى شعراء عصره وإسم كبير عندما يذكر الشعر في أي مجلس، فلقد نظم أول أشعاره وهو صبي عمره ٩ سنوات فقط، ولقد اشتهر بحدة ذكائه ونبوغه وظهرت شخصيته الشعرية مبكراً.

كما أنه اشتهر بنظم الكثير من الأشعار في مدح الملوك، ولعل ذلك هو أحد دواعي فخره بنفسه وبأعماله كأحد أبرز الشعراء على مدار التاريخ.

فهل ترى أن المتنبي يستحق أن يفتخر بنفسه نظراً لتاريخه العريق؟ أم تعتبر ذلك درباً من الغرور والثقة المفرطة بالنفس؟

في كلتا الحالتين سيبقى المتنبي اسماً كبيراً له وزنه في عالم الشعر مهما اختلفت وجهات نظرنا. 


كل من يقرأ شعر المتنبي إلا ويلمس استعلاء الذات والنرجسية، فقد ملك الشغف بمدح الذات وتعظيمها.. يحضر تعظيم الذات حتى في قصائد المدح التكسُّبي الذي ينضمه الشعراء لمدح الأمراء والخلفاء.. بهدف تكسُّب الأموال والهدايا، وفي حضرة جمع من العلماء والشعراء، فلا يهاب المقام والسياق وينطلق في مدح وتمجيد وتعظيم ذاته:

أَمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ 

فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وأيضا قوله:

لا بقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بي

وَبنَفْسِي فَخَرْتُ لا بجُدودِي

وقوله:

وما الدهر إلا مِنْ رواةِ قصائدي

إذا قلتُ شعراً أصبحَ الدهرُ منشدا

وصل الأمر بالمتنبي إلى درجة أنه ادَّعى النبُوَّة ويقال أن هذا هو السبب من وراء تسميته بالمتنبي.

حب الذات والافتخار بها سمة ميزت مجموعة من الأدباء ولكن تفوق فيها المتنبي لأنها ملازمة له، ومن هؤلاء الأدباء نجد الشاعر أبو العتاهية فعندما سُئِل:

أتعرف العروض؟ 

قال: أنا أكبر من العروض

كما أجاب الشاعر أبو تمام عن سؤال: لماذا لا تقول ما يفهم الناس؟ 

بقوله: لماذا لا يفهم الناس ما أقول.

استعراض جميل لشعراء ألفوا مدح أنفسهم يا حسناء، وأتفق معكِ في أن بعض قصائد أولئك الأدباء - ولاسيما المتنبي محل حديثنا في تلك المساهمة- قد خرجت عن المألوف وبالغوا فيها في مدح غيرهم أو أنفسهم.

ولكن أليست تلك طبيعة المبدعين في كل مجال؟ يشعرون بأن إبداعهم يفوق الأعمال العادية فيرفعون أنفسهم مرتبة فوق الأخرى ويتوقعون من الناس احتراماً وإجلالًا.

مع رفضي لذلك الأسلوب ولكنه حال الإنسان على ما أظن فهو لا يحتمل إبداعه فيخرج مهللاً ومتظاهراً به لعدم تصديقه بأن ذلك من صنعه وهو لا يعلم أنه في الحقيقة هبة مجانية منحها إياه الخالق فعليه الشكر والإتضاع بدلاً من تفخيم الذات.