احتاج حل

لا أعرف كيف أبدأ حديثي، أو حتى إن كنت أبحث عن حلّ، أم مجرد أذن تصغي لي دون أن تقاطعني بنصائح محفوظة أو كلمات مواساة لا طائل منها. لكنني سأحاول، فربما بين هذه السطور أجد نفسي، أو ربما يجدني شخصٌ آخر يشبهني.

أنا فتاة صغيرة، تحمل من الأحلام أكثر مما تستطيع حمله يداها، ومن المواهب أكثر مما تستطيع استثمارها. أرسم، أصمم الأزياء على الورق، أحب الخياطة رغم أني لا أمارسها كما يجب، أهوى الطبخ رغم أن نصف ما أعده لا يكون لذيذًا، أقرأ وأكتب، وأملك خيالًا أوسع من واقعي الضيق. كتبت روايتين، إحداهما رومانسية، والأخرى خيالية عن الجن، وأخرى فقدتها في منزلنا القديم، وكأنها اختارت أن تختفي قبل أن ترى النور. أكتب الشعر أيضًا، وأحب الحديث مع من هم أكبر مني، أجد في عقولهم مساحة أوسع للنقاش، على عكس أبناء جيلي الذين لا يرون في العالم سوى الحب والغرام وما بينهما.

تعلمت الإنجليزية، والآن أحاول الإيطالية، وأحلم بأن أصبح مصممة أزياء، وأن أكتب كتابًا يحمل أفكاري التي لم أستطع قولها أبدًا، فأنا شخص كتوم، وأفراد عائلتي نادرًا ما يستمعون إليّ، لأنني "الصغيرة"، والصغير في العائلة لا يُؤخذ على محمل الجد.

لكن المشكلة ليست هنا، هذا كان مجرد تعريف عني، حتى لا يحاول أحد تبسيط مشكلتي أو ربطها بكوني "فتاة بلا أحلام". مشكلتي الحقيقية هي المدرسة.

أنا أكرهها، ليس كرها عابرًا، بل كرهًا يصل إلى حدّ الجنون. أهرب منها كلما استطعت، ليس لأنني لا أريد التعلم، بل لأن فكرة الالتزام بشيء يومي، كالسلاسل التي تُلف حول العنق، تخيفني. كيف سأتمكن من العمل مستقبلًا إن كنت لا أحتمل فكرة الدوام اليومي؟ أفكر في ذلك كثيرًا. لهذا اخترت الكتابة، لأنها لا ترهقني ولا أشعر معها بالملل، واخترت تصميم الأزياء لأنه عمل يدوي، قريب من الرسم، ولأنه عملي الخاص، لن أكون مضطرة لرؤية نفس الوجوه كل يوم، لن أكون مجبرة على مجاملة أحد أو تقبل بيئة لا تناسبني.

المدرسة بالنسبة لي ليست مجرد مكان للتعلم، بل مصدر خوف يومي. في العطلة أشعر بالراحة، أما في أيام الدراسة، فإن قلبي يظل خائفًا طوال الوقت. أخاف وأنا في طريقي إلى المدرسة، وأنا أمام باب الفصل، وأنا في داخله. لا أملك أصدقاء، ولا أريدهم. مَن حولي يرونني مملة، يتحدثون عن أمور لا تعنيني، ولا أستطيع التظاهر بأنني مهتمة بالحب والعلاقات والمغامرات المراهقة.

كل صباح عندما يرنّ هاتفي ليوقظني للمدرسة، أتمنى الموت، أن أبقى في فراشي دون أن أضطر لمواجهة هذا اليوم.

لكن المدرسة ليست مشكلتي الوحيدة، هناك عائلتي. قد أكون محظوظة بالحياة في منزل، لكنني أيضًا تعيسة بالحياة داخله. أبي عنيف، أكثر مما يمكن أن يتخيله أحد، وبما أنني الأصغر، فأنا الأكثر تعرضًا للعنف، حتى لأتفه الأسباب. كل يوم عند مائدة الطعام يتشاجر مع أمي، وأحيانًا ينقلب الطعام رأسًا على عقب، والشتائم تملأ المكان. إخوتي اعتادوا الأمر، أما أنا فلا، ربما لأنني الأصغر، وربما لأنني الأكثر خوفًا.

لكن الخوف الأكبر ليس من الشجارات، بل من اللحظات التي تليها. حين ينعزل أبي تمامًا، يأكل وحده، ينام وحده، وأنا الوحيدة التي تسأل عنه، التي تحضر له الطعام، وتكون وجهًا لوجه مع غضبه المتراكم، الذي يفرغه فيّ.

كل هذا جعلني أفكر بالرحيل، بالخروج من هذا المكان. في البداية كنت أقول: "سأصبر حتى أنهي دراستي وأعمل"، لكنني لم أعد أملك الصبر. لهذا بدأت أبحث عن أي طريقة لكسب المال، أي حل يمكن أن يجعلني مستقلة دون انتظار. جربت العمل الحر، جربت الدروبشيبينغ، جربت الكثير، لكن لا شيء أنقذني.

الآن، أنا لا أطلب سوى حلّ، أي حل، حتى لو كان مجرد تشجيع، أو كلمة تجعلني أرى الأمور من زاوية مختلفة. ربما هناك مخرج لم أره، وربما لا يوجد مخرج أصلًا.

أنا آسفة إن كنت قد أضعت وقتك بقراءة كلماتي، لكنني كنت بحاجة لأن أقولها، لأن أخرج أفكاري بدلًا من أن تظل تتآكل داخلي، كغريب يتحدث إلى المجهول، على أمل أن يجده شخصٌ يفهمه.


Daw أضف ردا

يا صغيرة! انظري، لديكِ بالفعل ظروف سيئة، ولكن لديكِ أيضًا نوع من الغرور، وربما بعض الإحباط. لا بأس، هذا طبيعي في وضعكِ، لكن عليكِ أن تفكري بواقعية أكثر.

المنزل ليس مجرد جدران وسقف، بل هو اختبار. إما أن تعيشي فيه بنعمة وتقدير، أو بعذاب وصبر، وقد كان حظكِ هو الخيار الثاني. لكن أخبريني، هل تعتقدين أنكِ الوحيدة؟ هناك من عاشوا في منازل أشبه بالجحيم، وفي شوارع تعجّ بالضواري، ومدارس لا تستحق حتى التعليق. ومع ذلك، لم يتوقفوا.

احمدي الله على أي حال، فهناك أيضاً ذلك النوع من آباءٌ والأمهات الذي يجعلون أطفالهم يعيشون في بؤس، ثم يبيعونهم لأول من يضمن لهم حياة أكثر قسوة.

اعلم... المقارنات لن تخفف من ألمكِ، بل الهدف هنا أن تري الأمور بمنظور أوسع: أنتِ ما زلتِ في البداية، لديكِ عقل، لديكِ أدوات، ولديكِ خيارات، حتى لو لم ترينها بعد.

جربتِ ولم تنجحي؟ إذن لم تبذلي جهدًا كافيًا. الحلم شيء، والقدرة على تحقيقه شيء آخر. لا تكذبي على نفسكِ، لديكِ الحلم، لكنكِ تفتقرين إلى العمل الجاد.

تقولين إن لديكِ موهبة في الكتابة؟ حسنًا، هناك آلاف المسابقات والمواقع التي ستقدر ذلك، خاصة أنكِ الآن ثنائية اللغة. لديكِ هاتف؟ هذا امتياز لا يملكه الكثيرون، ومع ذلك لا تعرفين كيف تستغلينه.

تعلمين الإنجليزية؟ افتحي قناة لتعليمها. لديكِ حس فني؟ اعرضي رسوماتكِ، فحتى أبسط الخطوط قد تجد من يشتريها. أما تصميم الأزياء، فلا يمكن لأي أحد أن يكون عبقريًا فيه، لكن إن كان خيالكِ حيًا، فلماذا لا تجمعين مهاراتكِ؟ ادمجي الكتابة والرسم والتصميم في قصص مصورة للأطفال.

بيئتكِ القاسية ستمنحكِ الإلهام، فلا تحتاجين إلى خيال خارق. اكتبي سيرتكِ الذاتية بأسلوب قصصي، وبيعيها ككتب، ولكن لا تضيعيها في أماكن لا تليق بها. الأمر كله يعتمد عليكِ. لن أضع لكِ روابط أو تفاصيل جاهزة، لأن النجاح لا يأتي لمن ينتظر أحدًا ليقوده إليه. ابدئي بالبحث، جربي، اخطئي، تعلمي، وقاومي الشعور بأنكِ عاجزة.

أما بخصوص المدرسة، فأنتِ في واحدة من حالتين: إما أنكِ الحلقة الأضعف فتحتاجين إلى التكيف والبحث عن طرق لتجنب الأذى، أو أنكِ مستسلمة تمامًا، وفي هذه الحالة، عليكِ التوقف عن ذلك فورًا. طلب المساعدة قد يكون محرجًا أو صعبًا، لكنه دائمًا أفضل من الانهيار في صمت. لا تجعلي نفسكِ "خرقة بالية" للآخرين، قاومي، لأنه لا أحد لكِ بعد الله سوى نفسكِ.

أنتِ مريضة؟ إذن ابقِ في فراشكِ وتأوهي، لا تتظاهري بالقوة، فالصمت لن يُبقي لكِ حتى جسدًا تتحركين به. الشجار بين والديكِ سيحدث سواء كنتِ موجودة أم لا، فلا تحمّلي نفسكِ عبئًا إضافيًا.

باختصار: التحمل الأعمى والصبر بلا فائدة ليسا سوى طريق للهلاك.

وإن حدث قتال في المنزل، فلماذا دائمًا أنتِ من يجب أن تتحرك؟ هل لأنكِ الوحيدة القادرة، أم لأنكِ الأقل قدرة على إثارة غضب والدكِ، أم أنكِ فقط أسهل من يُطلب منه القيام بأي شيء؟

إذا كنتِ الأولى، فتألمي مثل الجميع، فالكبرياء لن ينفعكِ هنا.

إذا كنتِ الثانية، فاستغلي وضعكِ، فكل فرصة يمكن أن تُحوَّل إلى منفعة.

وإن كنتِ الأخيرة، فأنتِ مريضة على أي حال، لذا استغلي ذلك، واسكبي كل شيء بسبب مرضك، فالمرض احيانا قد يكون درعًا أيضًا.

الخلاصة؟ استخدمي عقلكِ.

باختصار، الصبر وحده ليس الحل، ولا الهروب أيضًا. التفكير في الهروب مجرد سراب، والتخطيط للسفر بلا هدف هو ضياع آخر. لديكِ مواهب يمكن أن تجلب لكِ المال والاستقلال، فلماذا لا تستغلينها بدلاً من أن تنجرفي نحو مستقبل لا ترغبين به؟ اجعلي الجميع يدرك أنكِ تملكين ما يكفي من الموهبة لجني المال، حتى لا يُفرض عليكِ مستقبل لا ترغبين به.

بالمناسبة كرهك لدوام وتقيد رفاهية في حالك لا تملكينها، فقط عليك اضافتها الى قائمة اهدافك، والمدرسة واحدة من تلك القيود، ورسوبك وفشلك فيها يزيد من بعد تحقيق معظم اهذافك. لذا اما القيام بما تكرهينه بأفضل صورة ممكنة أو تقبل حياتك مدى الحياة، الخيار لك، فالحياة ليست عادلة، لكنها تعطي الفرص لمن يصنعها.

نصيحتي لك لا تجعلي ظروفكِ سيئة مبررًا للشفقة على نفسكِ.

شكرًا على ردكِ هذا 🌸 شكرا جزيلا 💗، وأقدر أنكِ حاولتِ أن تعطي نصائح صريحة بدلًا من المواساة الفارغة. لكن هناك بعض النقاط التي أود توضيحها، لأنكِ فهمتِ بعض الأمور بطريقة خاطئة.

أولًا، لم أكتب هذا المنشور بحثًا عن الشفقة أو لأبرر لنفسي الاستسلام. لو كنتُ شخصًا مستسلمًا، لما جرّبت عشرات الطرق لكسب المال في هذا العمر، ولما تعبت في تعلم اللغات والمهارات بمفردي، ولما كنت أكتب هذا المنشور أصلًا، بل كنت سأقبل بوضعي كما هو وأتوقف عن المحاولة. لكن مشكلتي أنني لا أعرف من أين أبدأ، لا أنني لا أريد البدء.

ثانيًا، كلامكِ عن المدرسة ليس دقيقًا. مشكلتي معها ليست مجرد "رفاهية عدم الالتزام"، بل خوف يومي حقيقي. أنا لا أكرهها فقط لأنها مملة أو مقيدة، بل لأنها مكان يجعلني أشعر بالضعف، بالخوف، بالعجز. التنمر، الشعور بعدم الانتماء، الإجبار على التظاهر بأنني شخص آخر ... كل هذا ليس مجرد كسل أو تمرد على النظام، بل شيء يؤثر على حياتي بالكامل.

ثالثًا، كلامكِ عن العائلة وكأنه "اختبار يجب تحمله" ليس حلاً. أعي تمامًا أن هناك من هم في ظروف أسوأ، لكن المقارنة لا تحل المشكلة كما قلتي، بل تجعلها أكثر تعقيدًا. و أنا لا أبحث عن مبررات لأستسلم، بل عن حلول تجعلني أستطيع التحمل دون أن أفقد نفسي في الطريق.

رابعًا، بخصوص المواهب، لم أقل يومًا إنني لا أريد استغلالها، بالعكس، أنا أبحث عن طريقة لجعلها مصدر دخل حقيقي، لكنني لا أعرف كيف أصل إلى ذلك. نصائح مثل "افتحي قناة"، "قدمي في المسابقات"، "اكتبي كتابكِ وبِيعِيه" كلها تبدو جيدة نظريًا، لكن التطبيق الفعلي أصعب مما تتخيلين، خاصة عندما لا يكون لديكِ توجيه أو دعم. لذلك، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة، لو كنتِ تعرفين خطوات عملية فعلية يمكنني اتخاذها، فستقدمين معروفا لن انساه.

أخيرًا، أنا لا أشفق على نفسي، بل أبحث عن طريق للخروج من هذا الوضع، وأحاول أن أرى الأمور بوضوح. أنتِ قلتِ إن الحياة ليست عادلة وتعطي الفرص لمن يصنعها، وأنا أحاول أن أصنع فرصتي، لكنني بحاجة لمن يساعدني في رؤية الطريق.

Daw
  • حذف بواسطة المستخدم
كلامكِ عن المدرسة ليس دقيقًا. مشكلتي معها ليست مجرد "رفاهية عدم الالتزام"، بل خوف يومي حقيقي. أنا لا أكرهها فقط لأنها مملة أو مقيدة، بل لأنها مكان يجعلني أشعر بالضعف، بالخوف، بالعجز. التنمر، الشعور بعدم الانتماء، الإجبار على التظاهر بأنني شخص آخر ... كل هذا ليس مجرد كسل أو تمرد على النظام، بل شيء يؤثر على حياتي بالكامل.

عن المدرسة، ألم أقل إن عليكِ طلب المساعدة، حتى لو كان ذلك محرجًا أو صعبًا؟ انظري حولكِ، أؤكد لكِ أن ليس الجميع بغيضًا، لكن كرهكِ للتفاعل قد يجعلكِ ترين الأمور من زاوية ضيقة. تحدثي، اشتكي، افعلي شيئًا.

مثلاً، والدكِ عنيف، ولا يملك ذرة رحمة، لكنه يرى تعنيفكِ وضربكِ شأنًا داخليًا وملكية خاصة. لكن إن اشتكيتِ مما يحدث لكِ في المدرسة، فقد يتحرك، لأن خوفه على سمعته أو على وضع العائلة قد يجعله يتصرف بطريقة مختلفة.

أما عن شعوركِ بعدم الأمان هناك، فهو خطر حقيقي، خاصة إذا كنتِ تتعرضين للتنمر. السكوت يمنح المتنمرين فرصة لتجربة ما هو أسوأ عليكِ يومًا بعد يوم. لهذا أقول لكِ: اشتكي، اصرخي، لا تصمتي. في وضعكِ، حتى الصراخ قد يكون حلاً.

أفهم تمامًا نيتكِ الطيبة، لكن الأمور ليست بهذه البساطة. أنتِ تتحدثين وكأنني لم أحاول من قبل، وكأن المشكلة تكمن فقط في أنني أرفض التفاعل أو الشكوى. لكن الواقع مختلف تمامًا.

ليس الجميع مستعدًا لسماع مشاكل الآخرين بصبر، حتى لو ادّعوا العكس. الناس تملّ بسرعة، والبعض يتضايق، والبعض الآخر يُظهر تعاطفًا سطحيًا سرعان ما يتلاشى. لهذا لم أعد أرى الشكوى حلًّا حقيقيًّا.

أما الصراخ... فهل تعتقدين أن المتنمرين سيتوقفون لأنني صرخت؟ الصراخ ليس قوة، بل في أحيان كثيرة يكون استسلامًا، إعلانًا للعالم أنني فقدت السيطرة. بل ربما يمنحهم متعة إضافية، إذ يؤكد لهم أنهم نجحوا في التأثير عليّ. هناك مواقف يكون فيها الصمت أقوى من الصوت، وأعتقد أن وضعي واحد منها.

وبخصوص والدي، نعم، لديه جانب عنيف، لكنه ليس مجرد وحش بلا إنسانية. لديه أيضًا جانب لطيف أحبه وأقدّره، وهذه العلاقة المعقدة تجعله ليس مجرد "خصم" يمكنني الإطاحة به ببلاغٍ رسمي. وإن فعلتُ ذلك، فماذا سيحدث؟ هل سينتهي الأمر لصالحنا جميعًا؟ لا، بل ستزداد الأمور سوءًا، وسيصبح كل شيء أكثر تعقيدًا. الشكوى ليست دائمًا الخيار الحقيقي أو الحكيم.

أما المدرسة، فأنا لا أعيش حياة تعيسة بالكامل، ولستُ محط سخرية دائمة، لكن هناك أمرًا في جسدي يجعلني موضع تعليقات، بعضها يُقال بسخرية، وبعضها يُقال بلطف لكنه يظل تنمّرًا مبطنًا. ليس دائمًا هناك "حل واضح" لمثل هذه الأمور، وأحيانًا لا يكون أمامك سوى التعايش مع ما لديكِ بأقل خسائر ممكنة.

Daw أضف ردا
كلامكِ عن العائلة وكأنه "اختبار يجب تحمله" ليس حلاً. أعي تمامًا أن هناك من هم في ظروف أسوأ، لكن المقارنة لا تحل المشكلة كما قلتي، بل تجعلها أكثر تعقيدًا. و أنا لا أبحث عن مبررات لأستسلم، بل عن حلول تجعلني أستطيع التحمل دون أن أفقد نفسي في الطريق.

هنا أيضاً لم أقل إن عليكِ التحمل والصبر فقط، بل قدمتُ حلولًا عملية أيضًا.

على سبيل المثال، ألم أقل إن عليكِ الاستلقاء والتأوه؟ كان قصدي واضحًا: بدل أن تجهزي نفسكِ كل صباح للذهاب إلى المدرسة، ابقِ في فراشكِ متأوهة، وسيكون على أحدهم أن يأخذكِ إلى المستشفى في النهاية.

أما إذا كانوا سيرسلونكِ إلى والدكِ وهو في قمة غضبه، فقد قدمتُ لكِ حلولًا أخرى: إن كنتِ تتحملين بعد انتهاء العاصفة، فلا تفعلي ذلك بعد الآن. وإن كنتِ الوحيدة التي تثير غضبه أقل من غيركِ، فهذه فرصة لتتعلمي كيف تستغلين ذلك لصالحكِ. وإن كنتِ "الصغيرة" التي يُلقى عليها كل شيء، فهذا ليس دورًا عليكِ قبوله ببساطة. تظاهري بالمرض، فأنت مريضة على كل حال، فالمرض أيضًا قد يكون حلًا في وضعكِ.

أنتِ ترين أن هناك حلولًا عملية، وأنا أرى أنها مجرد محاولات قد لا تنجح في واقعي.

أن أتمارض وأتظاهر بالمرض؟ جربت المرض الحقيقي، ولم يصدقني أحد. منذ شهرين، بدأت أعاني من نوبات اختناق مفاجئة، وكأن الهواء يعلق في حلقي، وكأن قلبي يتوقف عن النبض للحظات والمشكلة أنني لازلت اعاني من هذه النوبة خاصة في المدرسة أو عندما أنصدم فجأة. رأتني عائلتي في هذه الحالة، لكنهم لم يأخذوني إلى المستشفى، لم يسألوا حتى عن السبب. لا أعرف ما هو هذا المرض، سألت طبيبًا على الإنترنت ولم يجبني، وسألت أحد الكبار فقال ربما التهاب، شيء بسيط، وكأن هذا الشعور الذي يسحقني بين الحين والآخر مجرد صداع عابر. إذا كان هذا حالي مع مرض لا أعرف اسمه، فهل تظنين أن الكذب بشأن المرض سيكون ذا جدوى؟ هل تظنين أنهم سيهرعون بي إلى المستشفى إن قلت "آه، أشعر بالألم"؟ لا، هم يعرفون جيدًا متى أكون بخير ومتى لا، وليس لأنهم يهتمون، بل لأنهم لا يحبون أن يُخدعوا.

أما عن استغلالي لدوري داخل العائلة، فلا أعتقد أن لدي دورًا يمكن استغلاله. أنا مجرد جزء من النظام، لا أكثر. أحيانًا أكون الابنة المدللة، وأحيانًا أكون المسؤولة عن كل شيء، وأحيانًا لا أكون شيئًا على الإطلاق. أتحدث، أصمت، أتصرف، لا شيء يحدث فرقًا، لأن الأدوار مرسومة مسبقًا، وكل ما يُطلب مني هو أن أسير وفق المخطط.

وأنا لا أريد الهروب من المدرسة، بل أريد الذهاب، لكن أن أذهب وأنا أشعر أنني عالقة بين عالمين، عالم لا ينتمي لي وعالم لا أجد فيه ذاتي، هو ما يجعل الأمر ثقيلًا. فكرة البقاء في الفراش والتأوه لا تبدو حلًا بالنسبة لي، ليس لأنني أريد أن أبدو قوية، بل لأنني ببساطة لا أريد أن أبدو ضعيفة بدون سبب. ضعفي يجب أن يكون له مبرر حتى يُعترف به، وهذا ما لم أجد له مبررًا بعد.

بخصوص المواهب، لم أقل يومًا إنني لا أريد استغلالها، بالعكس، أنا أبحث عن طريقة لجعلها مصدر دخل حقيقي، لكنني لا أعرف كيف أصل إلى ذلك. نصائح مثل "افتحي قناة"، "قدمي في المسابقات"، "اكتبي كتابكِ وبِيعِيه" كلها تبدو جيدة نظريًا، لكن التطبيق الفعلي أصعب مما تتخيلين، خاصة عندما لا يكون لديكِ توجيه أو دعم. لذلك، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة، لو كنتِ تعرفين خطوات عملية فعلية يمكنني اتخاذها، فستقدمين معروفا لن انساه.

ألم تقولي إنكِ تستعدين للاستقلال بنفسكِ؟ هذا بحد ذاته تمرين عملي لكِ. كيف تنوين أن تكوني مستقلة وأنتِ تجدين صعوبة في هذه الخطوة، رغم أنها أسهل بمليون مرة من تحقيق استقلالكِ الفعلي؟

عليكِ أن تتوقفي عن انتظار مرشد أو شخص يرشدكِ لكل تفصيل. هناك بالفعل مليون طريقة يمكنني اقتراحها، لكنني لم أفعل لأنني قصدت بوضوح أن تكتشفي الطريق بنفسكِ، فهذا جزء من رحلتكِ نحو الاستقلال.

وبالمناسبة، أسلوبكِ في الكتابة واضح وخالٍ من الأخطاء الجسيمة، وهذا شيء يستحق التشجيع. لديكِ ما يكفي، لذا تحركي، حاولي، وافردي أجنحتكِ بنفسكِ. نعم، سيكون الأمر صعبًا، لكنه الطريق الذي عليكِ أن تسلكيه.

أفهم ما تقولينه تمامًا، وأدرك أن الاستقلال الحقيقي يعني أن أتعلم كيف أبحث وأجرب وأخطئ وأعيد المحاولة. لكن الفرق بين الاستقلال والضياع هو وجود نقطة بداية واضحة. الاستقلال ليس مجرد قرار، بل سلسلة من الخطوات التي تحتاج إلى توجيه في البداية، تمامًا كما يحتاج الطفل إلى تعلم المشي قبل أن يجري.

أنا لا أبحث عن شخص يحدد لي كل تفصيل، بل عن ضوء خافت في هذا النفق الطويل. عن فكرة واقعية، عن خطوة يمكن أن أبدأ بها وأبني عليها. أن أبحث وحدي لا يعني أنني لن أخطئ، لكنه يعني أنني قد أضيع وقتًا طويلًا في البحث عن الطريق الصحيح دون أن أجد شيئًا. أحيانًا، كلمة واحدة من شخص مر بهذا الطريق قبلي قد تختصر علي شهورًا من التخبط.

أما عن الكتابة، فشهادتكِ تعني لي أكثر مما تتخيلين. ربما هذا هو ما أحتاجه فعلاً؛ شخص يؤكد لي أنني أستطيع، أنني أملك ما يكفي، حتى عندما أشك بذلك. ربما هذا، أكثر من أي نصيحة، هو ما يدفعني إلى التحرك فعلاً.

أخيرًا، أنا لا أشفق على نفسي، بل أبحث عن طريق للخروج من هذا الوضع، وأحاول أن أرى الأمور بوضوح. أنتِ قلتِ إن الحياة ليست عادلة وتعطي الفرص لمن يصنعها، وأنا أحاول أن أصنع فرصتي، لكنني بحاجة لمن يساعدني في رؤية الطريق.

بل تفعلين، حتى وإن لم تقصدي ذلك. لو كنتِ ترين الأمر بوضوح كما تقولين، لكان ردكِ أكثر تحديدًا، مثل: "جربتُ هذا ولم ينجح، ثم جربتُ ذلك لكنه لم يكن مناسبًا"، بدلًا من الحديث بشكل عام عن صعوبة إيجاد الطريق.

أنا لا أقلل مما تمرين به، لكن هناك فرق بين البحث عن حلول والاستغراق في الشعور بالعجز. الفرق بسيط لكنه حاسم: من يبحث عن حلول يحدد مشكلته بدقة، يجرب، يخطئ، ثم يسأل عن بدائل. أما من يشعر بالعجز، فيقول: "أنا لا أعرف كيف أصل إلى ذلك"، دون أن يوضح ما الذي جربه تحديدًا وأين واجه الصعوبة.

لذا، بدلًا من أن تطلبي رؤية الطريق، أخبريني أين وقفتِ بالضبط، وما الذي أعاقكِ، عندها يمكنني مساعدتكِ بشكل أكثر فاعلية.

أفهم وجهة نظركِ، وأعلم أن هناك فرقًا بين من يبحث عن الحلول ومن يستسلم للعجز. لكن المسألة ليست بهذه البساطة. ليس كل عائق يمكن صياغته في جملة واضحة، وليس كل مشكلة لها حل مباشر يمكن تجربته فورًا. أحيانًا، المشكلة ليست أنني لا أحاول، بل أنني لا أعرف من أين أبدأ أصلاً.

لقد جربتُ عدة أشياء، حاولتُ بيع رسمي، فتحتُ حسابات على بعض المنصات، لكن الوصول إلى الجمهور صعب. فكرتُ في كتابة رواية وبيعها، لكن اكتشفتُ أن نشر كتاب ليس مجرد كتابة جيدة، بل يتطلب تسويقًا، علاقات، وخبرة لا أملكها بعد. فكرتُ في يوتيوب، لكن لا أريد إظهار وجهي أو صوتي، فكيف يمكنني تقديم محتوى يجذب الناس بدون ذلك؟ هذه هي الحواجز التي واجهتها، وهنا تحديدًا أحتاج إلى توجيه.

لذا، عندما أقول إنني أبحث عن طريق، لا أعني أنني جالسة بلا حراك أنتظر أن يرسمه لي أحد. أعني أنني أتحرك، لكنني لا أرى إلى أين يقودني هذا الطريق، وأحتاج إلى شخص يخبرني إن كنتُ أسير في الاتجاه الصحيح أم أنني أدور في دوائر فارغة كوني فتاة غضة العقل.

بالمناسبة، واضح أنني قد قسوت عليك، ولكن كان ذلك بدافع الرغبة في مساعدتكِ بشكل عملي، لستِ بحاجة لمزيد من الكلمات اللطيفة فقط، بل لتوجيه يخرجكِ من دائرة التردد والقلق. أريدكِ أن تدركي أنكِ تملكين القدرة على الخروج من هذا الوضع، ولكن فقط عندما تواجهين مشاكلكِ بوضوح وتعملين على تجاوزها بطريقة عملية. لم يكن قصدي أن أجرحكِ، بل أن أكون صريحة بما يكفي لأنني أؤمن بقدرتكِ على التغيير.

أعلم أن نيتكِ لم تكن القسوة من أجل القسوة، بل كنتِ تحاولين دفعـي نحو خطوة فعلية، وأقدر ذلك. لكن، أحيانًا، حتى النوايا الجيدة يمكن أن تصطدم بواقع مختلف. الصراحة مطلوبة، لكن ليس كل شخص مستعد لتلقيها بنفس الطريقة. البعض يحتاج دفعة قوية، والبعض يحتاج إلى تفهّم ووقت ليعيد ترتيب أفكاره قبل أن يتحرك.

أنا لا أرفض المواجهة، ولا أهرب من مشاكلي، لكنني لا أؤمن بأن الحل هو دائمًا "المواجهة المباشرة" أو "القفز إلى المجهول دون خطة." لو كان الأمر بهذه السهولة، لما كان هناك أشخاص يضيعون في محاولات البحث عن طريقهم.

أقدر كلماتكِ، وأعلم أنكِ تحاولين توجيهي لا مجرد التحدث معي، لكنني أحتاج أحيانًا إلى أن أشعر بأنني مفهومة قبل أن أُدفع إلى التغيير. كما أنني لا أرى في كلماتك قسوة فهذا ما احتاجه.

حمدًا لله أنني لم أقسُ بالقدر الذي يُدمي، رغم أن هذا كان واضحًا بالفعل.

لقد قرأت كل ما كتبتِ وأُعجبتُ بمدى نضجكِ العقلي، حتى وإن كنتُ لا أعرف عمركِ الفعلي، لكن على قدر قسوة الحياة تكون سرعة النضج.

لا أملك حاليًا الوقت للرد عليكِ بشكل مستفيض، لكنني أردتُ أن أوصل لكِ هذا.

لم أكتب هذا المنشور بحثًا عن الشفقة أو لأبرر لنفسي الاستسلام. لو كنتُ شخصًا مستسلمًا، لما جرّبت عشرات الطرق لكسب المال في هذا العمر، ولما تعبت في تعلم اللغات والمهارات بمفردي، ولما كنت أكتب هذا المنشور أصلًا، بل كنت سأقبل بوضعي كما هو وأتوقف عن المحاولة. لكن مشكلتي أنني لا أعرف من أين أبدأ، لا أنني لا أريد البدء.

ماذا أقول؟ إما أنكِ لم تفهمي نصف ما كتبت، أو أنكِ لم تمنحيه الوقت الكافي لاستيعاب أهم نقاطه. لم أقل إنكِ مستسلمة، بل محبطة أو ربما مغرورة بعض الشيء. فمن تجربتكِ، يتضح أنكِ جرّبتِ الكثير، لكنكِ تشعرين أن كل الطرق مسدودة. وهذا ليس استسلامًا، بل إحباطًا.

أما عن الغرور، فلا أعنيه بالمعنى السلبي، بل كنوع من الثقة الزائدة التي تجعلكِ ترفضين رؤية حلول قد لا تكون مثالية لكنها فعالة. أحيانًا، التمسك بصورة مثالية للحل يمنعنا من رؤية الفرص الحقيقية التي قد تكون أمامنا.