أنتِ نذري

كنتُ غارقةً في غمرة الاستعدادات لحفل زفاف ابني الصغير... آه، ما زلتُ أراه صغيراً مهما كَبُر! ولكنها الحقيقة: اليوم زفافه.

​نصفُ ساعةٍ فقط تفصلنا عن انطلاق الحفل. البيت يضج بالحركة، والجميع يستعد للذهاب؛ أنا، وبناتي، والأهل والأصحاب. سيكون فرحاً مميزاً بلا شك. أنظر في المرآة لأضع اللمسات الأخيرة... باقة الورد، زجاجة العطر... أين وضعتها؟ آه، ها هي ذا. الآن كل شيء جاهز.

– «هيا يا بنات، لننطلق!»

​الشارع مزدحم بالسيارات، والوقت يمرّ بطيئاً كأنه يعاند حماسي. أضواء السيارات الملونة تخترق عتمة الليل في مشهد بديع. نكاد نصل، ويجب أن نكون أول الواصلين لنرحب بالضيوف.

تنحنحتُ مائلةً نحو السائق:

– «هلا أسرعت قليلًا يا بني؟ أنت لا تقود سيارة عادية اليوم، بل تقود الموكب الذي سيحضر العروس إلى الصالة... لا أريد أي تأخير!»

رد السائق باحترام:

– «حاضر يا سيدة، أفعل ما بوسعي.»

​اقتربنا كثيراً، أطالع مشاعري في المرآة، قلبي يخفق متشوقاً لزَفّ عروس ابني. وأخيراً وصلنا! انطلقت أبواق السيارات تُعلن مجيئنا، وها هي العروس تنزل بكامل بهائها، كأنها قطعة من القمر. استقبلتها بضمةٍ دافئة:

– «أهلاً بكِ ابنةً جديدةً في عائلتنا. لو كان عمُّكِ موجوداً اليوم لفرح بكِ كثيراً، فأنتِ عروسة الابن الأصغر والمدلل على قلوبنا جميعاً... أهلاً بكِ في بيتكِ الثاني.»

​انتقلنا جميعاً إلى داخل الحافلات. لم أكن أعلم من قبل كم هو ساحرٌ بياضُ فستان العرس! في هذا اليوم، أرى كل شيء جميلاً بامتياز. عجلات الوقت تدور، ودولاب الذكريات يعود بي سراعاً إلى الأيام الخوالي... يا لها من ذكريات.

​قطعت إحدى بناتي سيل أفكاري وهزت كتفي برفق:

– «أمّاه! لقد وصلنا... هل كنتِ سارحة طوال الطريق؟ هل أنتِ بخير؟»

ابتسمتُ وأجبتها:

– «آه.. لا، بل نعم! أنا بخير يا حبيبتي، هيا لنبدأ مراسم الحفل، أريد لهذا اليوم أن يكون ذكرى سعيدة تتوارثها الأجيال.»

لمحت ابنتي شحوباً في عيني فاستفسرت بقلَق:

– «أمي.. هل هذه دموع؟»

رددتُ وأنا أصلح زينة وجهي:

– «نعم، إنها دموع الفرح.. رحم الله أباكم، لو كان بيننا اليوم ليزوّج آخر العنقود. لكن لا وقت للحزن الآن، هيا لنرحب بالضيوف ونقوم بواجب الضيافة.»

​كانت التنظيمات رائعة؛ تنسيق الطاولات، توزيع الزهور، والموسيقى التي تنبض بالسعادة. تنقلتُ بين الضيوف أشكر كل من شاركنا فرحتنا، بينما كانت الفتيات يملأن الصالة رقصاً وضحكاتٍ وتصفيقاً.

​جلستُ بجوار جارتي العزيزة لأرتاح قليلاً، فبادرتني بابتسامة:

– «أهلاً سيدة ملاك! ما شاء الله، لم تنل السنين منكِ بعد، ما زلتِ فتية وفاتنة! رحم الله أبا أيوب.. لو كان موجوداً اليوم.. آه!»

تنهدتُ بقلبٍ صابر وقلت:

– «رحمه الله... ليته معنا، لا ليرى الفتية الفاتنة، بل ليكون إلى جانب ابنه في هذا اليوم الذي لا يتكرر.»

​لفت انتباهي غياب جارتي "أم زياد"، تساءلتُ في نفسي: أين هي؟ أستغرب تأخرها وهي التي لا تفوّت مناسبة! وما هي إلا لحظات حتى رأيتها تنزل الدرج، لكن ملامحها لم تكن كالمعتاد.. كانت تحمل خطباً ما!

قمتُ لاستقبالها:

– «أهلاً عزيزتي أم زياد، عسى أن يكون هذا التأخير خيراً؟»

عانتقتني أم زياد بدموع وحرارة وكأنها تودّعني أو تبكي عليّ، فمازحتها لأهدّئ من روعها:

– «ما بكِ يا جارتي؟ لم أكن أعلم أن لديكِ كل هذه المشاعر الجيّاشة!»

نظرتْ إليّ بوجوم، ثم رفعت بصرها نحو أعلى الدرج، وكأنها تريد إخباري بشيء تعجز الشفاه عن النطق به.

قلتُ بجدية حذرة:

– «جارتي.. ماذا هناك؟»

همستْ بنبرة مرتعشة:

– «تعالي معي يا أم أيوب.. وأرجوكِ أن تتماسكي.»

​مسكت بيدي وصعدنا الدرج بسرعة. في أعلى المنصة، كانت تقف سيدة شابة، أنيقة وغريبة، تتطلع إليّ بوجوم وتوتر.

اقتربتُ منها وسألتها:

– «من تكونين يا عزيزتي؟»

نظرت في عيني مباشرة وقالت بثبات:

– «أنا.. حرم أبا أيوب.»

​تسمّرتُ في مكاني، وتوقف النبض في صدري لحظة.

– «ماذا؟! من؟!»

أجابتني بنفس الهدوء:

– «كما سمعتِ.»

– «ولكن.. كيف؟ ومتى؟!»

​شعرْتُ بالدوار، ما الذي أسمعه؟ ما الذي يحدث الآن؟ فليخبرني أحدكم بسرعة قبل أن أفقد عقلي!

تدخلت أم زياد لتهدئتي:

– «اهدئي يا أم أيوب.. كنتُ أستعد لحضور الحفل حين طُرِق بابي، فوجدت هذه السيدة تسأل عنكِ ومعها حقيبة سفرها. لقد أمضت اليوم بأكمله تبحث عن عنوانكِ، ومعها وثيقة رسمية تؤكد أنها زوجة المرحوم أبا أيوب ،اعلمت انك تزفين عروس ابنك لكنها أصرت أن تأتي معي قائلة انها متشوقة لرؤية تلك المرأة المكافحة الصامدة التي سمعت عنها كثيرا !»

​تزاحمت الأسئلة في رأسي كالصواعق: لماذا الآن؟ لماذا في هذا التوقيت بالذات؟ لماذا يحدث هذا معي أنا؟!

​عصرتُ عينيّ لأمنع قطرات الدمع التي تحاول تخريب عذوبة ملامحي، ونفضتُ الغبار عن كبريائي. أخذتُ نفساً عميقاً وقلتُ في سري: لا.. لن أسمح لأي شيء في هذا العالم أن يعكر صفو هذا اليوم!

​التفتُّ إلى الزوجة الشابة، وبنبرة قوية راقية قلت:

– «التفاصيل لها وقت آخر.. أما الآن، فنحن في حفل زفاف ابني. أهلاً بكِ.. تفضلي بالنزول لمشاركتنا الفرح.»

نظرت إليّ الغريبة بدهشة واستنكار:

– «ماذا؟!»

كررتُ بثبات:

– «قلتُ تفضلي بالنزول إلى الحفل.»

​ورسمتُ على وجهي –كعادة النساء الأقوياء– تلك الابتسامة الساحرة التي تخبئ خلفها براكين الغضب وسيول الدموع. نزلتُ على درج الصالة كالملكة، ممسكةً بيد ضيفتي الغريبة.

​بدأت الهمسات تتردد بين النساء، وسرت همهمة استغراب في الأرجاء. انتبهتُ إلى أن مسار الحفل يتجه نحو الدراما والفضول، وهو ما لا أسمح به أبداً في ليلة ابني.

​تركتُ يد السيدة، وصعدتُ إلى منصة العروس بخطوات شامخة، ورأس مرفوع، ثم بدأتُ بالتصفيق بقوة لألفت انتباه الجميع. صمتت الموسيقى، وتجهت العيون نحو المنصة.

​أمسكتُ الميكروفون وقلتُ بصوتٍ دافئ وواثق:

– «ضيوفي الأعزاء.. أستأذنكم في إصغاء لظرف دقيقة. أريد أن أشكركم جميعاً على حضوركم ومشاركتي فرحتي اليوم، كما يسعدني أن أُعلمكم بأن الفرح قد أصبح فرحين! ففي هذه اللحظة بالذات، علمتُ أن زوجي –رحمه الله– قد خبّأ لي مفاجأة أعتز بها؛ لقد أوفى بنذري له في مطلع الحرب.»

​ساد الصمت والذهول القاعة، فتابعتُ بابتسامة متألقة:

– «هي قصة قديمة.. مفادها أنني نذرتُ لزوجي نذراً إذا انتهت الحرب وبقينا على قيد الحياة أن أزوّجه، جزاءً له على جهاده وثباته، وقد وافقني بشرط واحد: أن تكون العروس أرملة شهيد وأماً لأيتام. واليوم.. حضرت عروسه التي لم أكن أعلم بوجودها من قبل، لتكتمل فرحتنا بها.»

​التفتُّ نحو الدرج وأشرتُ بيدي:

– «أعرّفكم على زوجة أبا أيوب.. تفضلي إلى المنصة يا غاليتي ليراكِ الجميع ويرحبوا بكِ. أنتِ نذري الذي وفاه عني زوجي الغالي.. فمرحباً بكِ في فرحي الأخير!»

​ضجت القاعة بالتصفيق الحار، وانهمرت الدموع من عيون الحاضرين إعجاباً وذهولاً، بينما نزلتُ من المنصة لأستقبلها وسط هتافات الفرح التي ملأت المكان

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش