سكتت الصواريخ، لكن الحرب لم تُلقِ أوزارها بعد، فالسماء صامتة بينما صدى الألم يتردد في الأزقة المهدّمة وقلوب سكان غزة، الذين خرجوا من تحت الركام يبحثون عن بقايا حياة وعن وجوه فقدوها، وعن أطفال وُلِدوا بين الركام والمعاناة وغادروا قبل أن تُمنح لهم فرصة أن يروا لون الحياة الوردي الذي رُوّج لهم به من طرف منظمات اختبأت خلف شعارات حماية الطفولة وحقوق الإنسان، تاركة دماء صغارهم وأحلامهم تتبدد في رماد الحرب. النساء الثكالى يصرخن بلا توقف، و يبكين أولادهنّ الذين التهمتهم صواريخ آلة الحرب وأحرقتهم أحياء، وعلى كل الأحبة الذين رحلوا قبل أن تشرق عليهم شمس الغد، بينما الشيوخ الذين عانوا أعمارًا من الحصار والقصف يجدون أنفسهم محاصرين بين الموت والدمار، في كل بيت مهدّم وزقاق تحول إلى ركام، وحياة اختُطفت قبل أن تزهر، تاركة فجوات لا تُسد في القلب. ومع ذلك، يبتسم الأطفال عند العثور على لعبة مهشمة، ويرفع الناس وجوههم نحو السماء، فرحين بخجل لانتهاء القصف، فرحة مشوبة بالحزن، فرحة البقاء والحزن على من فقدوا، دموع الحزن تتقاطع مع ابتسامة النجاة، فرح يعلن النجاة من الموت وحزن لا يعرف التوقف على من رحلوا، وفي نفس الوقت يظل الخوف حاضرًا في كل زاوية: خوف من الغد المجهول، من تكرار الكارثة، من أن يعود صوت المدافع ليعيد الرعب في العيون الصغيرة ويجمد الدم في العروق، ومن العالم الذي قد يمرّ على المأساة مرور الكرام، متجاهلًا دموع الأطفال والأمهات والأرواح التي اختُطفت بلا رحمة. ومع كل هذا الدمار والحزن والفقد، يظل الأمل مزروعًا بين الركام، كغصن شجرة الزيتون الصغيرة على أطلال بيت مهدّم، اليوم يزرع سكان غزة في قلوبهم حلم الحياة من جديد، فالحرب توقفت على السطح لكن دموع الحزن لن تتوقف على من فقدوا، ومن سيعيد لهم أحبائهم؟ ومع ذلك، يولد معنى جديد للصمود الإنساني: يجسد القدرة على البقاء وعلى الصمود ، على الابتسام وسط الدمار، وعلى الحلم رغم كل ما أخذته الحرب، لتبدأ في غزة حرب جديدة من نوع آخر: حرب الأمل، وحرب الحياة، وحرب رفض الاستسلام، حيث يولد الإنسان من جديد، صامدًا، مؤمنًا، محتفظًا بعزيمته وسط دموع الحزن وفرحة البقاء، لتظل غزة شاهدًا حيًا على مأساة لا تنسى وعزم لا ينكسر، ومهما توقفت الحرب، فإن غزة لن تنسى أولئك الذين باعوا لحم أبنائها وعرضوه رخيصًا، لأولئك الذين باعوا كرامتها وعرضوها لكلاب تنهشها، وستظل ذاكرة المدينة حية، لا تمحوها صفقات ولا يطويها الزمن ، شاهدة على الخيانة وسط الصمود والصبر المستمر.

              من اعداد  :  ايمن يحياوي