بلاسقف

في زاوية شارعٍ ضيق، جلس رجلٌ عجوز يلف نفسه بمعطفٍ قديم، لا يملك سقفًا يدفئه ولا بابًا يغلقه على وحدته. كان الناس يمرون من أمامه كل صباح، بعضهم يلقي عليه نظرة شفقة، وبعضهم لا يراه أصلًا.

كل ليلة، يرفع عينيه إلى السماء الملبدة بالغيوم، يهمس:

“هذا سقفي الوحيد… لا يسقط، ولا يخون، ولا يرحل.”

لم يكن يملك إلا صندوقًا خشبيًا يخبئ فيه بقايا أيامه: صورة شاحبة لامرأة أحبها، رسالة لم تكتمل، وقطعة قماش حاكها بيديه لتكون وسادته.

في تلك الليلة، اشتد البرد حتى تجمد الهواء، لكن قلبه ظل دافئًا. أغلق عينيه مبتسمًا، كأنه أخيرًا وجد سقفًا أوسع من كل البيوت… سقفًا يظلّل روحه للأبد.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

كم بيننا من يعيش بلا سقف يحميه، ليس فقط من البرد والحرمان، بل من الوحدة التي تلتهم القلب بصمت. قد لا نملك القدرة على تغيير العالم كله، لكننا نستطيع أن نمد يدًا صغيرة قد تكون لأحدهم سقفًا دافئًا لا ينهار.

اتفق معك، أحيانا الوحدة تكون أكثر برودة من الشوارع في فصل الشتاء، والحرمان العاطفي أحيانا يكون أكثر خطورة من الحرمان من الطعام، قلوب أحبابنا تكون المظلة التي نحتمي بها من قسوة الوحدة، منذ مدة كنت أتحدث عن أننا لا يجب أن ندعو الآخرين يعانوا بصمت، أحياناً يكون من الواجب أن نخترق وحدتهم وصمتهم حتى لو صمتنا سوياً المهم أن يعي الإنسان أن هناك من يهتم بأمره!

ذكرتني هذه القصة بقصة "بائعة الكبريت" تلك البنت الفقيرة الوحيدة التي كانت تعيش مما تجنيه من بيع الكبريت للناس في الشارع، وفي يوم اشتدت برودة الجو وتساقط الثلج بكقرة فحاولت الاستدفاء بما لديها من كبريت حتى نامت للأبد في وسط الثلوج مثلها مثل هذا العجوز ممن لا مأوى لهم ولا ملجأ ويعيشون في وحدة على هامش المجتمع 😥

كلماته عن السماء، "سقفي الوحيد… لا يسقط، ولا يخون، ولا يرحل"، كأنها قصيدة كتبها بقلبه قبل لسانه، جعلتني أشعر أن روحه أكبر من كل البيوت الفاخرة. ذلك الصندوق الخشبي، بصورته الشاحبة، رسالته الناقصة، وقطعة قماشه، كأنها كتاب حياته المطوي بعناية، يحمل أحلامه التي لم تكتمل وحبه الذي لم يذبل.