13

مبتعثٌ في حِصار كُورونا!

بعد أن حطّت طائرتي في أراضيها، فتحت الأبواب آذنةً لنا بالخروج، بادرت بشهيق ألتمس به نسمة عليلة بعد رحلة طويلة، فإذا برائحة خانقة تملأ صدري وتكتم أنفاسي فنظرت من حولي متعكرا لأرى سحابة شديدة السواد تنفث النار وتسبح في السماء كأنها الطير الأبابيل تلتهم من اعترضها دون رحمة. ثم ما وضعت أمتعتي حتى جنّ الناس وتملكهم الوسواس فلا السلام يعرفون ولا هم في الطرقات يسيرون، وإذا بي في غرفتي مقيد مسجون بلا تهمة أو سبب معلوم!

"اكتسحت حرائق عظيمة غابات أستراليا لتلتهم بوحشية مليار مخلوق وتقذف الكوالا بتهمة الإنقراض"، اتجهت إلى شقتي بقلق على أنغام ذلك الخبر بعد وصولي لأستراليا مطلع العام، وبينما كنت منشغلا بالتأهب للملحمة الدراسية تداعى عويل من حولي يصمّ الآذان ويدميها. أعلنت الصين عن انتشار فيروس صغير لا تراه الأعين يجد طريقه في البدن فما يلبث أن يفتك به ينتمي لعائلة "كورونا"، ثم أخذ بالتفشي في أبدانهم كالنار في الهشيم حتى تطابقت جثث الموتى فوق بعضها! احتال الخبيث على شركات الطيران فعبر القارّات على أجنحة الطائرات ثم استوطن الأنفس من شتى البقاع فلا فرق بين عربي ولا أعجمي ولاحتى بالتقوى!

كان لتلك الأحداث دويٌّ في داخلي، فبين وحشة البعد عن الوطن والشوق للأهل وحشة السجن في زنزانة الغربة والخشية على النفس من هلاكها، أصبحت الأيام تحت حصار المرض تتكرر في روتين ممل خانق، يخلف الأمس اليوم والحال هي الحال، تتابع تضاعف حالات الإصابة مع تضاعف وزني كأن أحدهما مقياس للآخر، أصبح الخروج للاشيء إلا المشي واستنشاق الهواء العليل غاية النفس ومناها، صار مجرد التفكير في كأس قهوة سوداء وسط مقهى يحفل بالزوار يُطرب نفسي ويملئها شوقا ونشوة كأنه حلم يستحيل الوصول إليه، في شهر او اقل، انقلب حال الدنيا رأسا على عقب..

مع تعقّد الأمور، والشعور باليأس وفقدان الحلول، تأبى رحمة الله إلا أن تغشى عباده، قال تبارك وتعالى:﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح). استشعرت لذة النعم من حولي، أمور في حياتي ظننتها دائمة لي. عائلتي، عافيتي، حريتي، مسيري في طرقات المدينة طليقا دون خوف من عدو يترصدني أو مرض يجتاحني، لقاء الأصدقاء على كأس قهوة لتجاذب أطراف الحديث، أصبحت في لمح البصر جزءً من خيالات الماضي. فتلك الدنيا وذاك حالها تتقلب بين الرخاء والبلاء ومع كل ابتلاء تتنزل رحمة خالق السماء كسحابة خير على أرض تصدعت شوقا لقطر المطر. و(عن المحن وانفراجها بعد اعتلاكها يقول ابن النحوي في رائعته قصيدة المنفرجة المنفرجة:

اشتدي أزمة تنفرجي * قد آذن ليلكِ بالبلجِ

وظلامُ الليلِ له سُرجٌ * حتى يغشاه أبو السُرجِ

وسحابُ الخيرِ لها مطرُ * فإذا جاء الإبّان تَجِي

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هذا المقال له أن يصف أحوالنا جميعا خلال فترة الحجر المنزلي، هل بعد ذلك تجد أن ما مررنا به بسبب جائحة كورونا يعد نقمة أم له أن يكون نعمة فى رواية ما؟

اعتقد ذلك نعم، أصبحنا كافراد نقدر نعمة الحرية والأمن والعافية.

مقالك يا سعد يلامس الروح حقاً ، لكن ربما ما تعيشه في استراليا هو رفاه و سعادة و منية غير إنسان ، في سوريا لم يتم تطبيق أي حظر و ليس هناك أي وعي و الفيروس انتشر و لا حول ولا قوة بالله.

أتدري ما السبب ؟ هو أن الناس بين خياري الموت بكورونا أو الموت جوعاً !

ربما لو كنت هنا ( ما عاذ الله ) لسطرت مقالات و مقالات و مقالات عن حال الشعب المكلوم و ما يعاني .

هل لك أعمال أخرى يا سعد ؟ أتمنى لو تشاركنا إياها.

أهلا وسهلا عزيزي خالد،

لاشك ان ماتمر به سوريا وماعايشته لايمكن لاحبار الدنيا وصفه، وقد يكون كورونا على عظم شأنه اهون مايمر به أهلنا في سوريا. نسأل الله ان يجعل لهمهم فرجاً وضيقهم مفرجا.

تأجل أمر كنتُ أحضر وأطمح إليه منذ عامين في الحقيقة، كان لديّ فرصة لمنحة دراسية خلال هذا العام في الخارج بعد تواصلي مع الجامعة بشكلٍ خاص قبل جائحة الكورونا تم تخصيص منحة تشمل عدة جوانب لي، لكن ما إن أغلقت الطرق حتى تأجل كامل الفصل الدراسي وأبلغوني بإلغاء التقدم المبدئي لهذا المقعد الدراسي، كنت ناقمة على الحظ وعلى جهدي الذي سيضيع أسراب الرياح ولم أكن أعلم إن كانت المنحة ستعود السنة القادمة أم لا لكن خلال هذا الوقت تعلمت الكثير، حتى أن الجامعة أعادت التواصل معي على المقعد السنة القادمة بشروط أخرى لكنني لم أوافق، لأن هذه الفترة أظهرت لي معاناة كبيرة واجهها الطلاب في الخارج بسبب كورونا والأوضاع لهذا فضلتُ التريث.

لذا أُقدّر ما تقوله وافهمه تماماً، تقدير الأمور التي نعيشها في حياتنا العادية هي الحكمة الأولى التي خرجنا منها من هذا الوباء، الزيارات البسيطة والخروج صباحاً مقابلة وجوه تعرفهم تبتسم ويبتسموا لك أفضل كثيراً من الضغط على النفس في سبيل خوض تجربة من الممكن أن يكون الوقت والمكان ليسوا مناسبين لها.

كذلك هذه أقدارٌ من الخالق لعل كل الأمور هي في قادمها خير إن شاء الله وهذه الأقدار تتيح لنا معرفة ألطافُ الخالق أيضاً، لذا عيش التجربة بحلوها ومرها وتقبلها ومعرفة النتائج والتعلم منها هو أفضل شيء نفعله في هذه الحال.

مالذي دعاك للابتعاث؟

كان يمكنك المكوث في بلدك ودراسة التخصص الذي تريده

اما لهذه الدرجة التعليم الجامعي في بلدك سيئ ولا يوجد التخصص الذي تبحث عنه

الابتعاث مزيجٌ من التجارب وليس فقط تخصص وجامعة، نخالط فيه ثقافات مختلفة ونكتسب تجارب متنوعة كالاعتماد على الذات وتعلم لغة جديده من اهلها.