جميلة الجميلات بلا حياء ولا أدب

جميلة الجميلات بلا حياء ولا أدب

الحياة هي العمر الذي نعيشه. وهي غاية في الجمال والإبداع. إن كنا فيها كالماء، فسوف ينبت كل شيء، ويثمر، ويزدهر.

الحياة نعمة، وأنا نعيمها. إنها جميلة، وأنا سر جمالها.

ليتني لم أحسب حسابًا لكل شيء منذ طفولتي. ليتني لم أفرض نفسي عليها حتى جعلتها تستسلم لي.

كانت مشكلتي معها الخوف، وكان الحياء أكبر مشكلاتي. وكانت رؤية أبعاد الأمور تزعجني، وتتركني في أحضان الظن والوهم، حتى استسلمت لي وسلمت نفسها.

خفت بشدة حتى تملكني الفزع، وفررت منها مهرولًا. وكان الحياء يسيل مني كدمع منهمر، كنهر أُفرج عنه، فظن أنه أصبح حرًّا وتحرر من القيود، وهو، في الحقيقة، مسكين أسير، يسير على ضربها.

ليست جميلة الجميلات، لكنني عندما أراها يرتاح قلبي. وعلى ضروب ملامحها أتحسسها، وأسير إليها أسيرًا لمشاعري.

ليتني لم أرها، وليتني لا أرى غيرها.

هكذا أنا؛ أكون الشيء ونقيضه. لا رحمة لي من نفسي. تدفعني حتى توقعني، ثم تتخلى عني، وترتاح عندما تراني أنهار واقعًا، ولا أعلم كيف أكون في ضروبها أسيرًا.

أظن، ويظنون، أن الحرية متاحة، أو أنها شيء موجود.

كنت أعيش في قمة السعادة، لكنني لم أكن مدركًا ولا واعيًا. أردت أن أتعلم وأبحث، وأن أحصل على أكبر قدر من العلوم والمعرفة. حينها لم أكن أدرك، ولم أكن أعي، أن الفطرة السليمة هي قمة العلوم والمعارف.

بذلت كل عمري حتى أتعلم وأعرف كل شيء وأعي. لم أكن أعرف المعادلة الصعبة:

إن قدر علمي مساوٍ لقدْر جهلي.

ماذا فعلت بنفسي؟

ازداد جهلها جهلًا، حتى صار علمي نفسه شيئًا لا يدرك ولا يعي. إنه الكيفيات؛ ومن يهتم بالكيفيات أو يعيها؟

لقد سمعت امرأة تقول لبعض الناس، بتهكم:

«هل تريدون بناء معبد للجمال في منطقة القبح؟»

هي لم تقلها هكذا بالضبط، لكنني عدلتها؛ لأنها مثلي أيضًا، لا تدرك ولا تعي.

كنت في طفولتي، مع الصعاب والتعثر، أشعر بأنني جزء لا يتجزأ من هذا الكون.

كنت أشعر بجمال كل شيء.

كنت أنظر إلى جمال السماء وهي تمطر، وأشعر حينها أن السماء تقبل الأرض. كنت أشعر أن المطر رسالة من السماء، تبوح فيها للأرض بأشياء.

كنت أشعر، عندما تمطر السماء، أن ذلك المطر لقاء العشاق.

كنت أفتح ذراعيّ، وأدور كما يدور الكون.

كنت أنتظر شروق الشمس، وعندما يبدأ شعاعها الأول في الظهور، كنت أظن أنه ينطلق من عيني.

كنت أتعجب جدًا من انسلاخ الليل من النهار.

كنت أسهر كثيرًا في الليل، أراقب نجمة لامعة في السماء، وكنت أظن أنها نجمتي الخاصة، وأظن أيضًا أنها تراقبني وتسهر معي، كما أراقبها وأسهر معها.

ليتني بقيت طفلًا.

لكنني كنت أستعجل كل شيء، حتى الكِبَر ظننته غايتي.

أنا الشيء ونقيضه.

أتمنى الشيء، وعندما أحصل عليه أنتفض وأهرب منه مسرعًا.

أحيانًا أظن أنني حتى الآن طفل لم يكبر، وأحيانًا أظن أن عمري أكبر من عمر الأرض.

بدأت مشكلتي، أو جلّ مشكلاتي، عندما اتخذت القرار بمعرفة نفسي معرفة حقيقية.

حينها تبدل كل شيء وتغير.

حتى وجدتني لا أدرك أبدًا، ولا أعي.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أستاذتنا الكريمة أستاذة الفلسفة جوهر،

قرأت كلماتك ثلاث مرات.

لقد لخصتِ في سطر واحد ما أحاول قوله منذ 60 عاماً: "كلما أكتب أكتشف نفسي أكثر وكأني لا أعرفها كفاية.. ليس تناقضاً وإنما توسع لإدراك عمق لم نره من قبل"

هذا هو قانون شفار التفعيل الذي أكتب عنه. نحن لا نجهل أنفسنا، نحن نكتشف طبقات لم تُفعل بعد. الكتابة تفعيل لنفس كانت نائمة.

أما الفطرة السليمة فهي كما تفضلتِ: عين البراءة داخلنا. وعينا قد يصوغها بقسوة أحياناً لحمايتها من قبح العالم، لكنها تظل البوصلة التي لا تكذب.

سؤالك الكريم: لماذا قلت أنها لا تعي وقلت أنها تشبهني؟

لأنها رأت جانباً واحداً من الواقع المر وظنته كل الواقع، وهذا فخ قد نقع فيه جميعاً. لا تهكم هنا، بل محبة وخوف عليها.

وأما أن "الحياة لحظة" فهي الأصدق، لأننا نفقد لحظات لا ترجع. قد يبدو العنوان قاسياً لأنه يوقظنا، ولو كان ناعماً لنمنا.

شكراً لك أستاذتنا، كلماتك سأحفظها في معبد الجمال.

تلميذك: أحمد عبدالله

العفو أستاذي الكريم،نحن هنا في المنصة الكل يتعلم من الكل ومهما بلغنا من العلم مازلنا نتعلم ... تلك الجملة التي نالت تقديرك هي حقيقة لاني أقرأ لأستمتع وأغوص في الكلمات وبين السطورها واكتب لاكتشف نفسي.. ....وحتى قلمي يتحرك وحده لاني اميل للعمق والإنسانية ،اننا لا نستطيع أن نرى بعين واحدة فأرى أن الإنسان له عينين أحدهما العقل ويمثله الوعي والأخرى الروح وتمثلها الإنسانية بما فيها ...يشرفني أن تكون كلماتي ضمن معبد الجمال .. ..كل التقدير

أستاذتي الفاضلة جوهر،

العفو منك أنتِ، فما أنا إلا تلميذ في معبد الجمال الذي تكتبين فيه.

جملتك "الإنسان له عينين أحدهما العقل ويمثله الوعي والأخرى الروح وتمثلها الإنسانية" هذه هي الأرضية الفكرية الصلبة التي كنا نتحدث عنها، لخصتيها في سطر واحد.

نحن اليوم نعاني لأننا نرى بعين واحدة فقط: عين العقل التي تحسب، ونسينا عين الروح التي تشعر. والآلة التي نتحاور عنها لا تملك إلا عيناً واحدة، عين الوعي المحسوب، ولذلك ستظل ناقصة مهما بلغت.

أما قولك "أقرأ لأستمتع وأغوص بين السطور وأكتب لأكتشف نفسي وقلمي يتحرك وحده" فهذا هو تعريف الكتابة التي لها روح، التي قلتي عنها إنها ليست مكشوفة. القلم الذي يتحرك وحده هو القلم الذي عاش، والآلة قلمها لا يتحرك وحده، بل يُحرك.

يشرفني ويشرف معبد الجمال في عصر القبح أن تكون كلماتك جزءاً منه. فالمعبد لا يبنيه حجر واحد، يبنيه كل من يرى بعينين.

كل التقدير والاحترام لك يا أستاذة، ودام قلمك الذي يغوص في العمق والإنسانية.

تلميذك

أحمد

إذا كانت الحياة بالفعل لحظة إذا يجب أن نعيشها كما ينبغي

لقد لخص الموضوع وعي الإنسان بالحياة و بالعلم وانه جاهل حتى بقدر علمه ،لأنه اقترب من معرفة مازال يجهل عنها الكثير عن نفسي كلما اكتب اكتشف نفسي أكثر وكأني لا أعرفها كفاية.... ليس تناقض وإنما توسع لادراك عمق لم نراه من قبل ....أما الفطرة السليمة البسيطة فهي عين البراءة داخلنا نحن نعرفها جيدا ولكن وعينا يصوغها بطريقة قد تبدوا قاسية في بغض الأحيان لأننا نكتب من خلاله......المرأة المتحكمة ربما رأت جانبا من الواقع فقط ليس تهكما وإنما لغة الواقع المرة.....لما تقول انها لا تعي.... وقلت تشبهني ؟

أما عن الحياة لحظة..... فهي الاصدق لأننا نفقد لحظات قد لا ترجع ابدا .....موضوع يثير الإعجاب شكرا لك ولكن العنوان يحمل نبرة قاسية ....

عذرا قصدت بسؤالي لما قلت انها لا تعي ....وقلت انها مثلك اي تشبهك؟

أستاذتنا الكريمة جوهر،

شكراً لتوضيحك الكريم، وسؤالك في محله تماماً وبوعي شديد كما عهدتك

حين قلت "أنها لا تعي" لم أقصد انتقاصاً لوعيها، بل قصدت أنها لا تعي أن ما تراه هو جزء من الصورة وليس كل الصورة. هي ترى جانباً حقيقياً من الواقع المر، لكنها تظنه الواقع كله.

وحين قلت "أنها تشبهني" قصدت أننا جميعاً نشبهها في هذه النقطة. أنا وأنتِ وكل إنسان قد يرى جرحاً واحداً في الحياة فيظن أن الحياة كلها جرح.

فلا تعارض بين العبارتين:

لا تعي = لا ترى الصورة كاملة.

تشبهني = لأنني أنا أيضاً قد لا أرى الصورة كاملة في لحظات أخرى.

نحن نكتمل ببعضنا. هي تحتاج لمن يريها الجانب الآخر الجميل، وأنا أحتاج لمن يذكرني أنني قد أكون مثلها.

شكراً لأنك جعلتِ الفكرة أوضح.

تلميذك: أحمد عبدالله