لا ترسم الشيطان على الحائط
الخوف الذي نصنعه بأيدينا
" لا ترسم الشيطان على الحائط". مثل ألماني يحمل في طياته تحذيراً عميقاً من قدرتنا المدمرة على استدعاء المصائب بمجرد تخيلها.
الألمان، بطبيعتهم العملية والمنطقية، اكتشفوا حقيقة نفسية مهمة: عندما نرسم الشيطان على الحائط، فإننا لا نكتفي بتخيل الكارثة، بل نمنحها شكلاً ملموساً في أذهاننا. نحولها من احتمال بعيد إلى واقع يطاردنا.
- قوة التصور المدمرة
تخيل شخصاً ينتظر نتائج فحص طبي مهم. بدلاً من أن يعيش حياته بشكل طبيعي حتى تظهر النتائج، يبدأ في "رسم الشيطان على الحائط". يتخيل أسوأ السيناريوهات، يخطط لجنازته، يودع أصدقاءه ذهنياً، يحسب كم شهر يبقى له للعيش. هذا الشخص لا يكتفي بالقلق العادي - إنه يبني عالماً كاملاً من الرعب في رأسه. يرسم الشيطان بتفاصيل دقيقة: لونه، شكله، طريقة ضحكته المرعبة. وكلما ازدادت التفاصيل، ازداد الخوف واقعية في نفسه.
- المفارقة النفسية
الغريب أن محاولة تجنب الكارثة عبر التفكير المفرط فيها تؤدي إلى نتيجة عكسية. الطالب الذي يقضي الليل كله يتخيل فشله في الامتحان، يصل للقاعة وهو منهك نفسياً، فيفشل فعلاً. الموظف الذي يرسم سيناريوهات طرده من العمل، يصبح متوتراً ومشتت الذهن، فيرتكب أخطاء تؤدي لطرده حقاً.
هكذا يصبح الخوف نبوءة تحقق نفسها. نرسم الشيطان على الحائط، ثم نندهش عندما يقفز من اللوحة إلى واقعنا.
- فخ التحضير المفرط
يحتج البعض قائلين: "لكنني أحضر نفسي للأسوأ، هذا ليس سيئاً!" وهنا تكمن خطورة هذا النوع من التفكير. هناك فرق شاسع بين التحضير العقلاني والرسم التفصيلي للكوارث.
التحضير العقلاني يعني: وضع خطة للطوارئ، توفير المال للأزمات، أخذ التأمين الصحي. أما رسم الشيطان فيعني: قضاء ساعات في تخيل مرضك القادم، تصور موت أحبائك، تخيل فقدان عملك وتشردك.
الأول يجعلك مستعداً، والثاني يجعلك مريضاً نفسياً.
- التحرر من اللوحة
الحل ليس في تجاهل المخاطر تماماً، بل في رفض رسم تفاصيلها المرعبة. عندما يخطر ببالك سيناريو سيء، لا تمنحه ألواناً زاهية في مخيلتك. اكتفِ بالاعتراف بوجوده كاحتمال، ثم ركز طاقتك على ما يمكنك التحكم فيه في الحاضر. الشيطان يستمد قوته من التفاصيل التي نمنحها له. عندما نتوقف عن رسمه، يفقد شكله ويصبح مجرد ظل باهت في زاوية الذهن.
في النهاية، الحياة مليئة بالمجهول، وهذا جميل وليس مخيفاً. لا نحتاج لرسم كل الاحتمالات السيئة، بل نحتاج للثقة في قدرتنا على التعامل مع ما يأتي عندما يأتي. فكما يقول الألمان بحكمتهم: الشيطان قبيح بما فيه الكفاية، لا نحتاج لجعله أكثر قبحاً برسمه على حائط أذهاننا.
التعليقات
أعتقد لأجل ذلك قيل: "وقوع البلاء ولا انتظاره"! 😅
لأن كثرة تخيل وتصور الموقف بكل ما يحمل من سوء وتوقعات قادمة كارثية تجعل الشخص يعيش في جحيم حي لدرجة أن وقوع البلاء نفسه الذي يخاف منه ربما يكون أهونًا عليه من كل ما يعيشه ويتخيله.
هناك فرق كبير بين النظرة الواقعية والنظرة التشاؤمية ، فالأولى تكون عندما ينظر الشخص لأمر بنظرة وتوقع حقيقيين دون مثالية أو نظرة حالمة، حتى لو كان الأمر سيئًا يتصور ما يحدث أو النتيجة في حدود المقبول أو الواقع وهذا يُبقى الإنسان على اتصال بالواقع، أما النظرة التشاؤمية فصاحبها يرى الدنيا سوادًا في الغالب ويتصور أن كل أمر يحدث سينقلب لكارثة وهذا يولد الأمراض النفسية كما ذكرت أنت.
الحل في رأيي هو التوازن فلا نكون حالمين ولا نكون متشائمين، ونحسن الظن بالله دائمًا.
نعم أحياناً الانتظار والتصور أقسى من الحدث نفسه. التوازن الذي ذكرتِه هو المفتاح - نبقى متيقظين دون أن نصبح أسرى للخوف.
لكن هنا سؤال يحيرني: من أين تعلمنا التشاؤم أصلاً؟ هل هو خوف الطفل من الظلام الذي لم نتخلص منه؟ أم تراكم التجارب المؤلمة؟ أم ربما طريقة تربيتنا التي تركز على التحذير أكثر من التشجيع؟