لا تشكُ للناسِ .. جُـرحًا أنتَ صاحبهُ
لا يؤلمُ الجُرحَ …إلا منْ به ألمُ
شكواكَ للناسِ منقصةٌ.. ومَن
مِن الناسِ صاحٍ ما بهِ سقمُ
بهذه الأبيات البديعة حذرنا الشاعر كريم العراقي من الشكوى للناس، ونصحنا بالإحتفاظ بذلك الجرح الذي ينزف في أعماقنا لأنفسنا، فهو غير ذي ألم لغيرنا ولكل منّا جراحه الخاصة ومعاناته فلمَ نزيد عليه بشكوانا التي لن تجد لها مكاناً بين اهتماماته .
لقد أغلق علينا العراقي الباب تماماً .. فإلى من نلجأ ولمن نشكو ؟
ثم يكمل شاعرنا فيقول :
فإن شكوتَ ..لمنْ طابَ الزمانُ لهُ
عيناكَ تَغلي.. ومنْ تشكو لهُ صنمُ
وإذا شكوتَ لمنْ شكواكَ ..تُسعدهُ
أضفتَ جُـرحًا لجرحكَ.. اسمهُ الندمُ
ماذا إن شكوت للشخص الخطأ؟ إما أنك لن تستفيد شيئاً ولن تتلقى الدعم العاطفي الكافي، وإما أن يكون من شكوت له شامتاً فيسعد بشكواك ويتلقفك الندم بعد إذ بادرت بفضح معاناتك .
ماذا لو تلقيت مواساة لطيفة ممن شكوت له وعددت ذلك انتصاراً ؟ يرد عليك الشاعر :
هلْ المواساةُ يومًا ..حـرَّرَتْ وطنــًا
أَم التعازي بديلٌ.. إن هوى العَلمُ
إجابتك على تساؤلاته حتماً ستكون لا وهي إجابتي أيضاً .. إذاً لماذا لا زلنا نوزع شكوانا على من هم حولنا ؟
لن أضيف رأيي في هذا الخصوص والذي شاركته في عدة مساهمات وتعليقات أخرى هنا ولكن بالطبع هناك من يجد في البوح والشكوى ملاذاً له عند اشتداد الثقل ومواساة له .
سأقوم بقراءة آرائكم .. لذا شاركوني إجاباتكم عن سؤال المساهمة التالي : لمن تشكون همومكم وهل تتبعون أسلوب الفضفضة عادة وهل وجدتم جدواها ؟
التعليقات
كلام الشاعر فيه وجهة نظر يا تقوى، لكن لو نطبّق ما يقول على حياتنا فسنصاب بعلل لا نشفى منها أبدًا، خاصة أننا لم نُربّى من صغرنا أن نشكو لله وحده، وكبرنا فقط على جملة الشكوى لغير الله مذلّة، وليس ذلك فقط بل سيشمت فينا الحاقد والحاسد ويستاء منا القريب والبعيد ويتألم من أجلنا الصديق والحبيب تمامًا كما وصف الشاعر.
لكن حين تجور علينا الأيام وتثقلنا المواقف وتتعبنا الحياة، فنذهب لأشخاص لا نهون عليهم، فيحتضنون ألمنا بعيونهم قبل أحضانهم ويخففون عنّا وربما يرشدوننا إلى حل أو يعينوننا بالدعاء.
لو تلاحظين يا تقوى في حياتنا اليومية أنّ الشخص عديم الشكوى الكتوم هو أكثر شخص يتعب أمه وأخته وزوجته عكس الذي يفضفض ويشكو وينسى، دائما نخاف على الصديق الذي يحمل همه لوحده، وهنا لا أرى أنّني أتفق مع الشاعر فيما قاله كليا وإنما لا بأس بالشكوى في حضرة المحب دون لوم الله أو عتابه عند خلقه.
أنا دائما أتبنى فكرة أن يكون الإنسان كتوما، وإن اضطر للشكوى فليشكُ لمعالج نفسي.
فإن كانت عنده مشكلة ساعده في حلها، وأن كان يحتاج نصحا أشار عليه بما يناسب.
أما الشكوى للناس فلا أجد أنها مجدية، فأما أن يسخروا من همك وشكواك وإما أن يسمعوا منك ولا يشيروا عليك بما يفيدك، وإما أن يتخذوا من شكواك ونقطة ضعفك سلاحا ضدك في حال اختلفت معهم.
وفي أحوال نادرة جدا، قد يعينونك بحسن نية
إذا اخترنا الشخص المناسب الذي نرمي عنده همومنا وأحزاننا، فقد تنفع الفضفضة. إذًا اختيار الشخص المناسب هو رولمانة الميزان!
أم يشْكُ جرير حاله للخليفة عبد الملك بن مروان في رائعته:
تعزت أم حرزة ثم قالت ... رأيت الواردين ذوي امتناح
إلى أن قال لها:
سأمتاح البحور فجنبيني أذاة اللوم وانتظري امتياحي
ثقي بالله ليس له شريك ومن عند الخليفة بالنجاح
أعني يا فداك أبي وأمي بسيب منك إنك ذو ارتياح
فإني قد وجدت علي حقا زيارتي الخليفة وامتداحي
سأشكر إن رددت علي ريشي وأثبت القوادم في جناحي
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
فقام عبد الملك وقال: هكذا نحن. من كان مادحا فليمدحنا بمثل هذا، وأغدق عليه المال الكثير!