لطالما شغلتني فكرة الدورات الكبرى في التاريخ، لا بوصفها تكراراً مملاً للحوادث ذاتها، بل بوصفها نسيجاً متصلاً من الأنماط العميقة التي تختبئ تحت ضجيج التفاصيل اليومية وتكاد تختفي وراء زبد الأحداث السياسية العابرة. وعندما تتبع هذه الأنماط بمنهج صارم يجمع بين أدوات الجيولوجيا البشرية وفيزياء الطاقة وعلم اجتماع السقوط الحضاري، فإنك لا تقرأ الماضي وحده وكأنك تتصفح سجلاً للأموات، بل تلمح ظلال المستقبل ملقاة على جدران الحاضر في صمت رهيب، تماماً كما يرى الجيولوجي الخبير في طبقات الصخر الرسوبي
elbouamranim01
1
104 مشاهدات المحتوى
عضو منذ
في البدء، لا بد للمرء، وهو يتأمل خرائط الشرق الأوسط وهي تعاد صياغتها بالدم والنار، أن يتوقف عند مسافة لا تقل عن سبعة آلاف ميل غرباً، في دهاليز الفكر اللاهوتي الأمريكي، ليجد هناك مفتاحاً تفسيرياً أعمق مما تقدمه أدبيات العلوم السياسية التقليدية. إن ما يحدث في سهول نينوى وجبال الجولان وأزقة القدس العتيقة لا يمكن اختزاله في صراع على الموارد أو الحدود أو حتى النفوذ الاستراتيجي المحض، بل هو، في أحد أهم تجلياته الخفية، انعكاس حرفي تقريباً لمخطوطة عقدية وضعت
كثيرا ما تأملت في أحوال الأمم ومسارات الدول فوجدت أن بين كيان الدولة وهيئتها المعنوية وبين النفس الإنسانية من المشابهة ما يدهش الألباب ويحير أولي النهى. فالدولة ليست مجرد حدود مرسومة على خرائط الجغرافيا ولا هي مجرد مؤسسات جامدة وأوراق رسمية تدور بين أروقة البيروقراطية، بل هي كائن حي له روح تسري في شرايين المجتمع، وله عقل يدبر الشأن العام، وله مزاج يعتريه الصحو والغبش، وله عمر من السنين يحسب بحساب الأجيال لا بحساب الأعوام. وإن الناظر بعين البصيرة ليدرك