كنت أجلس مع والدتي نتابع التلفزيون، فظهرت سيدة مسنة في إعلان، والتفتت إليّ أمي قائلة ببراءة إن هذه السيدة مشهورة للغاية وتتابع مقاطعها وفيديوهاتها دائمًا. صدمة والدتي كانت لا توصف عندما أخبرتها أن هذه المرأة وقناتها ومحتواها بالكامل ليسوا بشرًا، بل مجرد برمجيات ذكاء اصطناعي. هذا الموقف جعلني أدرك أن هناك شريحة ضخمة في مجتمعنا، خاصة من كبار السن أو البعيدين عن التقنية، غير قادرين تمامًا على التمييز بين الحقيقي والمزيف، ويستمعون لنصائح ومعلومات من قنوات وهمية، ليشعروا في النهاية بالخديعة وكأن شخصًا ما استغل ثقتهم.

​الظاهرة لم تعد مجرد تجربة عابرة، بل انتشرت مئات الصفحات التي تقدم شخصيات افتراضية تتحدث العربية بطلاقة، وتحصد ملايين المتابعين دون أن تذكر في ملفاتها أنها مجرد نماذج ذكاء اصطناعي. نحن أمام معضلة حقيقية تتجاوز مجرد الترفيه؛ فالناس تبني ارتباطًا عاطفيًا وتأخذ نصائح حياتية وطبية من عدم. هل يجب على المنصات فرض قانون صارم يجبر هذه الصفحات على كشف هويتها المزيفة لحماية وعي المستخدم البسيط؟ أم أن المحتوى هو الأهم ولم يعد يفرق إن كان المتحدث إنسانًا من لحم ودم أو مجرد أكواد برمجية خلف الشاشة؟