«عَجِبْتُ أَنَّنِي أَكْتُبُ..
بَيْنَمَا تُحْفَظُ كِتَابَاتِي فِي أَعَالِي الْبِحَارِ؛ فَتَقْطَعُ الْقِرْشُ الْوُصُولَ..
فَأَجِدُ أَنِّي لَا أَعْرِفُ مَا كَتَبْتُ وَلَا أَعْرِفُ مَا يَحْدُثُ!»
نتحدث كثيراً عن "الفضاء السيبراني" كأنه غيمة سابحة فوق القوانين والحدود، لكن الحقيقة التقنية والسياسية تكشف أننا نعيش في عالم من "الجدران الرقمية" المحكمة. حيث أن:
لا أحد يمتلك اسمه على الشبكة للأبد. نحن مجرد "مستأجرين" لهوياتنا من منظمات مثل ICANN، والتي تخضع في النهاية لولاية قضائية واحدة (كاليفورنيا). بقرار قانوني واحد، يمكن محو وجودك الرقمي من سجلات الـ DNS العالمية... مثل:
عندما حدثت اضطرابات سياسية في بعض الدول (مثل ليبيا سابقاً مع نطاق .ly أو التهديدات التي واجهت نطاقات دولية)، اكتشف أصحاب المشاريع أن "النطاق" (Domain) ليس ملكية خاصة بل هو "امتياز" تمنحه الدولة أو المنظمة المانحة.
الحرية تنتهي عند حدود الكابلات. من يسيطر على الكابلات البحرية ومحطات الإنزال يمتلك القدرة التقنية على خنق دول كاملة. الإنترنت ليس لاسلكياً كما نتخيل، بل هو أسلاك مادية يمكن قطعها بقرار سياسي (سلاح العقوبات الرقمية)... مثل:
في عام 2020، تسبب قطع في الكابل البحري Falcon في خروج 80% من إنترنت اليمن عن الخدمة لأسابيع. وفي عام 2011، قامت الحكومة المصرية بقطع الإنترنت عبر "تعديل بروتوكول BGP" وسحب المسارات، مما عزل الدولة تقنياً في دقائق.
ظاهرة الـ Splinternet: نحن نودع "الشبكة الموحدة" لندخل عصر "الجزر المنعزلة". دول كبرى مثل روسيا والصين بدأت فعلياً ببناء إنترنت محلي موازٍ لضمان سيادتها الرقمية وحماية نفسها من أي "ابتزاز" تقني خارجي.
ومنه من لا يملك بنيته التحتية الخاصة (سيرفرات جذرية، كابلات سيادية، وأنظمة تسيير مستقلة)، يظل مجرد "ضيف" على مائدة القوى الكبرى، يمكن طرده في أول أزمة سياسية.
للنقاش:
- هل اللامركزية (Web3) مجرد قشرة برمجية فوق نواة مركزية؟
معظم حلول اللامركزية اليوم تعتمد في تشغيلها على سيرفرات عملاقة (مثل AWS) وكابلات تملكها دول. إذا كان بإمكان "مقص" فيزيائي أو قرار سياسي في كاليفورنيا خنق البروتوكول من جذوره، فهل نحن نبني قصوراً من رمال فوق أرض يمتلكها السجان؟ وكيف يمكننا تحقيق "لامركزية مادية" لا تكتفي بتشفير البيانات بل تضمن استمرارية وصولها؟
- السيادة الرقمية (Splinternet): حماية أم عزلة؟
التوجه نحو "الإنترنت الوطني" (مثل RuNet) يكسر فكرة "القرية العالمية". في رأيكم، هل بناء بنية تحتية محلية (سيرفرات جذرية وكابلات سيادية) هو ضرورة للنجاة من الابتزاز السياسي، أم أنه المسمار الأخير في نعش حرية المعلومات وتحويل الإنترنت إلى مجموعة من "السجون القومية" المترابطة؟
التعليقات