التكنولوجيا كمُشكّل للواقع: من يملك الحقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

فى السنوات الأخيرة، لم أعد أرى التكنولوجيا كوسيلة محايدة، بل كمُشكل جديد للواقع. وجدت نفسى أعيش داخل مشهد متغير، تُعاد فيه كتابة الحقيقة عبر خوارزميات لا تنام. صور تظهر على الشاشات تحمل وجوهًا مألوفة، أصوات تهمس بما يبدو مألوفًا، ومقاطع تُعرض ملايين المرات رغم أنها لم تُلتقط يومًا بكاميرا بشرية. اكتشفت أن الذكاء الاصطناعي التوليدى لا يصنع محتوى فقط، بل يخلق واقعًا كاملاً، بحدود جديدة للزمن والذاكرة. لم يعد الحد الفاصل بين الحقيقى والمُصنع واضحًا كما كان، بل بات ضبابيًا، هشًا، قابلًا للانهيار فى أى لحظة أمام فيديو مزيف بإتقان، أو مقالة مكتوبة بأسلوب يصعب التشكيك فيه، وفقًا لتقرير مركز Pew Research Center .

أعرب 63٪ من المشاركين عن قلقهم من صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقى والمزيف في ظل الانتشار المتسارع لأدوات التوليد الذكى. فى هذا المشهد، لم يعد وعي المتلقي هو الحكم الوحيد، بل بات فى حاجة إلى تدريب ومهارات جديدة لم تكن ضرورية قبل سنوات قليلة. التعامل مع كل محتوى باعتباره موضع شك أصبح ضرورة، لا ترفًا، بينما صارت الحقيقة خاضعة لمن يملك أدوات إنتاجها.

شاركنا برأيك .. من يملك الحقيقة فى عصر الذكاء الاصطناعى التوليدى؟


برأيي لا أحد يملك الحقيقة سوى من يمتلك القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مزيف، وفي عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح تحديد الحقيقة أمراً معقداً، حيث يمكن لأي شخص أن يصنع ويُوجه محتوى يبدو كحقيقة بينما هو بعيد عنها، ولا أحد يمكنه أن يميز الحقيقة بسهولة، خاصة مع استخدام هذه التكنولوجيا لإنتاج صور مزيفة لأشخاص بهدف إفساد علاقاتهم بمن حولهم، لذلك علينا أن نكون حذرين، خصوصاً أولئك الذين لا يدركون طبيعة هذه التكنولوجيا، ونسعى لتوعية الجميع حتى لا يقع أحد في فخ تصديق المحتوى المزيف، مما قد يؤدي إلى نتائج كارثية.

ليس فقط الجهل بخطورة التكنولوجيا هو المشكلة، بل تأخر التشريعات والمؤسسات في مواكبة هذا التحدى. لا توجد حتى الآن معايير واضحة أو دولية لتوثيق صحة المحتوى أو التصدى لما يعرف بـالواقع الاصطناعى، حيث يتم خلق أحداث كاملة من لا شيء، لكنها تقنع الملايين ، وبالتالى فإن امتلاك القدرة على التمييز، كما ذكرت لا يكفى إن لم تدعم بمنظومات تعليمية وإعلامية وتشريعية قوية تستطيع إنتاج مضادات رقمية لهذا الخطر

الخطر اليوم لا يكمن فقط في المحتوى المزيف، بل في ثقتنا العمياء بالمحتوى البصري باعتباره أقرب للحقيقة. ما أخشاه هو أن نصبح في مرحلة لا نصدق شيئاً إطلاقاً، حتى الحقيقي منه، فتتحوّل الشكوك من وسيلة حماية إلى حالة دائمة من الارتياب، تُفكك العلاقات وتغذي نظريات المؤامرة. تخيل مثلًا شخصاً يتلقى صورة مفبركة لشريك حياته في موقف مُسيء، هل يملك الجميع الوعي والتقنية لتفنيدها؟ أم أن لحظة الغضب ستكون أسرع من التثبت؟ هنا لا يكفي التوعية فقط، بل نحتاج أيضًا إلى أدوات سهلة للناس العاديين تساعدهم على التحقق بأنفسهم، وإلا سنكون جميعًا ضحايا لمحتوى "يبدو حقيقياً"... لكنه ليس كذلك

الخطورة الكبرى ليست فقط في فقدان الثقة في الآخرين، بل في فقدان الثقة في ذواتنا ككائنات قادرة على التمييز، لأن الإنسان عندما يفقد إحساسه بقدرته على فهم العالم، يبحث عن بديل. وهنا تنمو نظريات المؤامرة كما أشرت، وتتحول من هامش إلى تيار فكري سائد. في تايوان بعد أن اجتاحت البلاد موجة من الأخبار الزائفة المدعومة بصور وفيديوهات مفبركة، أطلقت الحكومة مبادرة مجتمعية اسمها "Cofacts"، وهي شبكة من المتطوعين تقوم بالرد الفوري على الشائعات بالمصادر الدقيقة، وتعمل كداعم نفسي ومعلوماتي في الوقت ذاته. يجب الدعوة لبناء ثقة جديدة من نوع مختلف ، ثقة مبنية على وعى جماعى، أدوات بسيطة، ونظام تعليمي لا يُلقن الحقائق، بل يُعلم كيف نختبرها.