هناك… حيث تنكشف الحقيقة

مقدمة

يضعنا القرآن أحيانًا أمام مشهدٍ لا مجال فيه للزينة، ولا فرصة للتبرير، ولا مهرب من الحقيقة.

مشهدٌ يبدأ بوعدٍ، ويمرّ بعدل، وينتهي بمواجهة:

{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}

{وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}

{هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ}

إنها آيات لا تُخبر فقط بما سيكون، بل تُعيد ترتيب البوصلة الآن… هنا، في الدنيا.

للذين أحسنوا: الإحسان طريق الزيادة

لم يقل الله: للذين أطاعوا، بل قال: للذين أحسنوا.

والإحسان درجة فوق الامتثال؛

هو أن تعمل الصالح لا لأنك مأمور فقط، بل لأن قلبك حاضر، ونفسك صادقة، ونيتك متجهة لله.

أما الحُسنى فهي الجنة،

وأما الزيادة فهي ما لا يخطر على قلب بشر:

النظر إلى وجه الله الكريم،

ذلك الفضل الذي لا يُقاس بعمل، ولا يُدرك بثمن.

فالآية تفتح أفقًا عظيمًا:

أن الله لا يُكافئ الإحسان بمثله فقط،

بل يُضاعف، ويزيد، ويتفضل.

والذين كسبوا السيئات: العدل بلا زيادة

في المقابل، يقول تعالى:

{وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}

لفتة قرآنية دقيقة:

لم يقل فعلوا السيئات، بل كسبوا،

أي سعوا إليها، ورضوا بها، وكرروا اختيارها.

ومع ذلك، فالجزاء بالمثل،

لا زيادة، ولا ظلم، ولا انتقام،

عدلٌ محض، حتى في العقوبة.

فالفضل في الخير مضاعف،

والعدل في الشر منضبط.

وهذا وحده كافٍ ليجعل القلب يطمئن… أو يرتجف.

هناك… تبلو كل نفس ما أسلفت

ثم تأتي الآية الفاصلة، التي تُسقط كل الأقنعة:

{هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ}

هناك…

لا تُختبر الكلمات،

ولا النيّات المعلنة،

ولا الصور الجميلة،

بل يُختبر ما أُسلف:

ما قُدِّم في الخفاء،

ما عُمِل حين لم يرَك أحد،

ما اخترته حين كان لك الخيار.

في ذلك اليوم،

تتذوق النفس حقيقة أعمالها،

لا كما كانت تتخيلها، بل كما هي عند الله.

بين الإحسان والمواجهة

هذه الآيات الثلاث ترسم طريقين بوضوح:

• طريق الإحسان… نهايته زيادة ورضوان.

• وطريق السيئة… نهايته عدل بلا شفقة.

• ثم الوقوف الحتمي: حيث لا ينفع إلا ما سبق.

فليست القضية: كم عملنا؟

بل: كيف عملنا؟

ولمن؟

وبأي قلب؟

خاتمة

ما أعظم هذا الترتيب القرآني:

إحسان… ففضل،

تفريط… فعدل،

ثم لقاء لا مهرب منه.

فإن أردت الزيادة، فأحسن،

وإن خفت الحساب، فراجع ما تُسلف،

فـهناك،

لا يُظلم أحد،

ولا يُنسى شيء،

ولا يُكافأ القلب إلا بما عاش عليه.