صلاحٌ وفسادٌ يُرى… وصلاحٌ وفسادٌ لا يُرى... الله أعلم بالمتقين

المقدمة:

في زمنٍ كثُر فيه التصنيف، وسهل فيه الحكم على الناس من نظرة أو هيئة أو منشور، تأتي الآية الكريمة لتضع الإنسان في موضعه الحقيقي، وتعيد الميزان إلى يد من لا يخطئ الميزان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.

آية قصيرة، لكنها تهدم يقينًا زائفًا ترسّخ في النفوس: أننا نعرف من الصالح ومن الفاسد، من المهتدي ومن الضال. والحقيقة أن ما نراه ليس إلا قشرة من الصورة، أما الجوهر فمستور بعلم الله.

ليست الهداية لباسًا يُرتدى، ولا الضلالة مظهرًا يُرى. قد يبدو على الإنسان سمت الصلاح، ويُشاد بورعه وكلامه، بينما في قلبه آفة خفية لا يعلمها إلا الله. وقد يبدو آخر مقصرًا، أو غارقًا في أخطاء ظاهرة، لكنه يحمل بين جوانحه دمعة صادقة، أو توبة مؤجلة، أو انكسارًا حقيقيًا يرفعه الله به درجات.

الطاعات ليست كلها معلنة، كما أن الذنوب ليست كلها مرئية. هناك صلاة لا يشهدها أحد، وصدقة لا يعلم بها إلا الله، وصبر طويل على أذى مكتوم. وفي المقابل، هناك معصية تُمارس في الخفاء، ونفاق يُجيد صاحبه إخفاءه، وفساد قلب لا يفضحه المظهر.

ولهذا كان من الخطر أن نمجّد من بدا علينا صلاحه، أو نحتقر من ظهر عليه الفجور. فكم من مستور عند الله، عظيم في ميزانه، لا يعرفه الناس. وكم من مرفوع في أعين الخلق، ساقط في الخفاء، نسأل الله العافية.

إن الحكم على الناس من الظاهر فقط ظلمٌ للقلوب، وجرأة على علم الله. الله وحده يعلم من الضال ومن المهتدي، لأنه وحده يعلم النيات، والخواتيم، وما تُخفي الصدور. ونحن لا نعلم بماذا يُختم لنا ولا لغيرنا، فكيف نُطلق الأحكام وكأننا نملك مفاتيح الغيب؟

إن طاعة خفية قد ترفع إنسانًا إلى منازل لا يبلغها عمل ظاهر، ومعصية خفية قد تهوي بصاحبها في دركات لا يتخيلها الناس. فالظاهر – مهما بدا واضحًا – ليس إلا جزءًا صغيرًا من الصورة الكاملة التي لا يراها إلا الله.

ومع هذا المعنى العميق، لا يجوز أن يُتخذ الكلام عن خفاء القلوب ذريعةً للتقصير في العبادات الظاهرة، أو تبريرًا لترك ما أوجبه الله على الجوارح. فكما أن عبادة القلب أصل، فإن عبادة الجوارح دليل صدقها وترجمتها العملية.

فالصلاة في المسجد للرجل، والحجاب للمرأة، وسائر الفرائض الظاهرة، ليست شكلياتٍ يمكن تجاوزها بحجة “النية الطيبة”، بل هي أوامر إلهية لا يكتمل الإيمان إلا بها. وقد قرر أهل العلم أن صلاح الباطن الحقيقي لا ينفك عن صلاح الظاهر، وأن الخلل الدائم في الظاهر علامة تحتاج إلى مراجعة في الداخل.

ثم إن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبدًا، لم يترك محبته حبيسة الغيب فقط، بل نشر له القبول في الأرض، كما في الحديث القدسي: «إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء… ثم يُوضع له القبول في الأرض».

ولعل هذا يفسر لماذا نحب أشخاصًا ونأنس بهم دون سببٍ واضح، وننفر من آخرين بلا تفسير منطقي؛ فليست كل القلوب سواء، ولا كل الأرواح متجانسة، والقبول هبة من الله.

لكن الشاهد هنا ليس أن نجعل القبول أو النفور معيارًا للحكم على المصير، بل أن نتوقف عن إصدار الأحكام النهائية على الناس بناءً على مظهرهم أو بعض سلوكياتهم. فنحن مأمورون أن نتعامل مع الناس بما يظهر منهم، لا أن نفتش عن سرائرهم.

وهنا تتجلى حكمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: «عاملوا الناس بما يظهرونه، والله يتولى بواطنهم».

فلسنا قضاة على القلوب، ولا وكلاء عن الله في تصنيف عباده، وإنما علينا العدل، وحسن الظن، والنصيحة إن طُلبت، وترك ما خفي لله العليم الخبير.

فيا سعد حظه العظيم، من استقام ظاهره كما صلح باطنه؛ عبدٌ صدق مع الله في السر والعلن، فكان محبوبًا عند الله، محبوبًا عند الناس، آمنًا من التناقض، مطمئن القلب، واضح الطريق، متناغمًا مع الكون كما وصفه الشعراوي رحمه الله،

وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. 

الخاتمة:

هذه الآية تعلمنا التواضع، وتكسر فينا وهم التفوق الأخلاقي، وتربينا على أن ننشغل بأنفسنا لا بغيرنا، وبإصلاح قلوبنا لا بمراقبة قلوب الناس. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ…﴾

كأنها تقول: دعوا الحكم لي، واشتغلوا بالنجاة.

فالسعيد من خاف على نفسه، ورجا رحمة ربه، وأحسن الظن بعباد الله، وترك السرائر لمن خلقها ويعلمها.